الخميس, يناير 8, 2026
الرئيسيةمقالاتد التوم حاج الصافي يكتب : هل عميت بصيرة السودانيين؟

د التوم حاج الصافي يكتب : هل عميت بصيرة السودانيين؟

سؤالٌ لا يُطرح ترفًا، بل يفرض نفسه بمرارة الوقائع. كيف لشعبٍ جرّب الكيزان ثلاثين عامًا وزيادة—قتلًا وفسادًا ونهبًا وتخريبًا للدولة—أن يتردد اليوم حتى في تسمية الجريمة باسمها؟ كيف صار قول الحقيقة مخاطرة، وكأن المجرم اكتسب حصانة أخلاقية، وكأن الضحية مطالبة بالصمت كي لا تُتَّهَم بإثارة الفتنة؟
الكيزان لم يهبطوا علينا من فراغ. تاريخهم مكتوب بالدم والخراب: دولة مختطفة، مؤسسات مُسيّسة، اقتصاد منهوب، وحروب صُنعت لتدوم. ومع ذلك، نرى اليوم تراجعًا مخيفًا في الجرأة على المواجهة. الخوف؟ نعم. لكنه ليس الخوف وحده. إنها سنوات من القمع المنهجي التي كسرت المعايير، حتى بات القتل “وجهة نظر”، والفساد “اجتهادًا”، والخيانة “وطنية زائفة”.
أما الجيش—حين اختار أن يكون مظلةً سياسية لا مؤسسةً وطنية—فقد قدّم أكبر خدمة للكيزان. جيشٌ متخاذل عن حماية المدنيين، متشدق بالحياد وهو يغض الطرف عن الجريمة، أو يبررها. لا حياد مع القتل، ولا وطنية مع الفساد. من يصمت على الجريمة شريك فيها، ومن يساوي بين الضحية والجلاد يمهّد لاستمرار المذبحة.
الأخطر أن هذا الصمت لا يحمي أحدًا. الصمت لا يشتري الأمان؛ يؤجّل الانفجار فقط. والذين يخشون قول كلمة الحق اليوم، سيُجبرون غدًا على دفع ثمنٍ أفدح، لأن المجرم لا يكتفي بصمتك—هو يطالبك بالتصفيق.
قولوا الحقيقة بلا مواربة: الكيزان مجرمون بالتجربة والوقائع، والفساد عقيدتهم، والقتل أداتهم. والجيش الذي يتخازل عن حماية شعبه، أو يتواطأ سياسيًا، يفقد مبرر وجوده الأخلاقي. لا خلاص للسودان بالمجاملات، ولا بالحياد الكاذب، ولا بالخوف المُقنّع بالحكمة. الخلاص يبدأ حين نستعيد البوصلة: حقٌ واضح، وباطلٌ أوضح، وكلمة حق لا تُساوَم.
إن كانت البصيرة قد عميت، فلتُفتح بالحقائق. وإن كان الخوف قد شلّ الألسن، فلتتكلم الوقائع. فالتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يبرّئ الصامتين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات