تقرير تحليلي :جعفر السبكي
شكّلت زيارة رئيس المجلس الرئاسي لما يُعرف بـ“حكومة تأسيس” محمد حمدان دقلو إلى أوغندا، ولقائه بالرئيس يوري موسيفيني في القصر الرئاسي بـعنتيبي، محطة سياسية لافتة في سياق الحرب السودانية وتعقيداتها الإقليمية. وتُقرأ الزيارة من زوايا متعددة، باعتبارها تطورًا يتجاوز البعد البروتوكولي إلى أبعاد استراتيجية تتعلق بالشرعية، وإعادة التموضع السياسي، وبناء التحالفات.
أولًا: اختراق دبلوماسي واعتراف إقليمي أولي
تُعد الزيارة، وفق مؤيديها، أول اختراق سياسي علني لحكومة “تأسيس”، إذ جاءت بناءً على دعوة رسمية من الرئيس الأوغندي. هذا التطور يمنح الكيان الجديد درجة من القبول الإقليمي، ولو في حدوده الأولية، ويُفسَّر على أنه بداية مسار لشرعنة سياسية خارجية.
ويأتي ذلك في توقيت حساس أعقب نقاشات دولية بشأن السودان، من بينها مداولات في مجلس الأمن وتصريحات لمسؤولين أمريكيين حول مستقبل الأزمة، ما يضفي على التحرك بُعدًا مرتبطًا بإعادة ترتيب التوازنات السياسية.
ويري الصحفي والمحلل السياسي ، محمد المختار ، ان الزيارة تقرأ اعترافا دبلوماسيا صريحا، وأول اختراق سياسي و”اعتراف علني”، بحكومة تأسيس برئاسة الفريق محمد حمدان دقلو، حيث جاءت بناءً على دعوة رسمية من الرئيس اليوغندي يوري موسفيني، مما يمنح الحكومة الجديدة صبغة شرعية في المحيط الإقليمي مستقبلا، خاصة بعد تصريحات مسعد بوليس أمس في مجلس الأمن. ثانيا التمثيل السياسي المتكامل عكس تكوين الوفد الذي ضم نائب الرئيس عبد العزيز الحلو، ورئيس الوزراء محمد حسن التعايشي، ورئيس مجلس الوزراء إبراهيم الميرغني، ووزير الخارجية عمار أموم ، وحكام أقاليم دارفور وشرق السودان، الهيكل الإداري المتنوع لـحكومة السلام والوحدة، وتقديمها كبديل مؤسسي جاهز لإدارة شؤون البلاد مستقبلا. ثالثا تثبيت المرجعية القيادية، كون الزيارة تكرس الفريق أول محمد حمدان دقلو كقائد للمجلس الرئاسي السوداني المعترف به بدءاً من يوغندا ذات الثقل الأمني والسياسي، ويبدو أن هناك زيارات أخرى قادمة في الطريق. رابعا بناء تحالف استراتيجي، حيث تجاوز اللقاء الجوانب البروتوكولية إلى بحث العلاقات الثنائية بين البلدين وتطويرها، مما يعني التمهيد للتعامل مع حكومة تأسيس كجهة تنفيذية مسؤولة عن مصالح الشعب السوداني وعلاقاته الخارجية. خامسا تسويق الرؤية السياسية للأزمة، عبر استغلال المنصة الأوغندية لتقديم شرح مفصل حول “جذور الأزمة السودانية”، ورؤية حكومة السلام لوقف الحرب، مع التماس “نوايا صادقة وتفهم” من الجانب الأوغندي لهذه الرؤية. سادسا والأهم توطيد الشرعية المتبادلة، بقيام رئيس المجلس الرئاسي بتهنئة موسفيني على فوزه الانتخابي، وهذا يعكس تعاملا نديا بين رئيس دولة ورئيس مجلس سيادي قائم بذاته، وإن بدت الزيارة بغير هذا المسمى.

ثانيًا: إبراز هيكل حكومي متكامل
الوفد المرافق لدقلو ضم شخصيات سياسية وتنفيذية بارزة، من بينهم: نائب رئيس المجلس عبد العزيز آدم الحلو ورئيس الوزراء محمد حسن عثمان التعايشي ووزير الخارجية عمار أموم و حُكام أقاليم دارفور وشرق السودان
هذا التمثيل المتنوع عكس محاولة تقديم “حكومة السلام والوحدة” كهيكل مؤسسي متكامل، قادر – وفق طرحه – على إدارة شؤون البلاد سياسيًا وإداريًا، وليس مجرد إطار عسكري أو تحالف ظرفي.
ثالثًا: تثبيت المرجعية القيادية
تحمل الزيارة دلالة رمزية تتعلق بتكريس دقلو بصفته رئيسًا لمجلس رئاسي يتصرف بوصفه كيانًا سياديًا قائمًا، خاصة أن أوغندا تُعد لاعبًا إقليميًا ذا ثقل أمني وسياسي في شرق أفريقيا.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون تمهيدًا لجولات خارجية أخرى تهدف إلى توسيع دائرة القبول الإقليمي.
رابعًا: بناء تحالفات استراتيجية
لم يقتصر اللقاء على المجاملات الدبلوماسية، بل تناول – بحسب البيانات الرسمية – العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، ما يُفهم منه سعي لإرساء أساس تعامل مستقبلي مع “تأسيس” كجهة تنفيذية مسؤولة عن ملفات سياسية وخارجية.
هذا البعد يعكس محاولة للانتقال من مرحلة التعريف السياسي إلى مرحلة بناء الشراكات.
خامسًا: تسويق رواية الأزمة
أتاحت المنصة الأوغندية فرصة لعرض رؤية “حكومة السلام” لجذور الأزمة السودانية ومقترحاتها لوقف الحرب، في سياق سعي لكسب تفهم إقليمي للرواية السياسية التي تتبناها، مقابل روايات الأطراف الأخرى في الصراع.
ويشير متابعون إلى أن هذا التحرك يندرج ضمن معركة كسب السردية السياسية على المستوى الخارجي.
سادسًا: شرعية متبادلة ورمزية الندية
قيام دقلو بتهنئة موسيفيني على فوزه الانتخابي عكس – من حيث الشكل – تعاملًا ندّيًا بين قيادتين سياسيتين، ما يمنح الزيارة طابعًا بروتوكوليًا أقرب إلى لقاءات رؤساء الدول، حتى وإن لم تُوصَف رسميًا بهذا الإطار.
أبعاد أوسع للزيارة
يرى بعض المحللين أن زيارة دقلو إلى كمبالا تحمل رسائل سياسية متعددة: إعادة التموضع: محاولة الظهور كفاعل سياسي مدني يسعى للحلول، وليس قائدًا عسكريًا في ساحة القتال فقط. وكسب قبول غير رسمي: السعي للحصول على اعتراف إقليمي تدريجي، ولو لم يصل إلى مستوى الاعتراف القانوني الكامل.
التأثير في مسار التفاوض: إرسال إشارة بأن أي تسوية سياسية مستقبلية لا يمكن أن تتجاوز حضوره أو الكيان الذي يقوده.
إدارة ملف اللاجئين والأمن الإقليمي: أوغندا تستضيف أعدادًا من اللاجئين السودانيين، ما يجعلها معنية مباشرة بتطورات النزاع.

هل تمثل الزيارة نقطة تحول؟
يصعب الجزم بأن الزيارة تشكل تحولًا حاسمًا في مسار الحرب، لكنها بلا شك تمثل خطوة نوعية في معركة الشرعية السياسية، ومحاولة لإعادة تشكيل صورة الفاعلين في الأزمة السودانية على الساحة الإقليمية.
وبينما يرى أنصارها أنها بداية مسار اعتراف متدرج، يعتبر منتقدوها أنها خطوة رمزية لن تغير ميزان القوى ما لم تُترجم إلى تفاهمات سياسية داخلية أو اعترافات أوسع نطاقًا.
في كل الأحوال، تعكس الزيارة أن الصراع في السودان لم يعد عسكريًا فحسب، بل أصبح أيضًا صراعًا على الشرعية والتمثيل السياسي في الإقليم والعالم.

