سلاح الموت الصامت في قلب الخرطوم: أدلة دامغة على استخدام الأسلحة الكيميائية وقرارات تكشف المستور:
اسماعيل ع.مضوي
بينما انشغل الرأي العام السوداني بمتابعة المعارك اليومية، تكشّفت خيوط قضية أشد خطورة من كل ما سبق: استخدام أسلحة كيميائية في قلب العاصمة الخرطوم. ما كان يُعتبر “شائعة” أو “دعاية حربية” أصبح اليوم ملفاً مدعّماً بالأدلة العلمية، والتحركات الدولية، والقرارات الحكومية الصادمة التي لا تترك مجالاً كبيراً للشك. هذا التحقيق يرصد تفاصيل ما جرى، ويحلل أبعاده من منظور صحفي–قانوني على ضوء المعايير الجنائية الدولية.
أولاً: الأدلة الجنائية – “الكيميائي لا يُخفى”
وفقاً لمبدأ Forensic Analysis (التحليل الجنائي)، فإن الأسلحة الكيميائية تترك وراءها Residual Traces (آثار متبقية) في الهواء، التربة، والمباني. تقارير ميدانية حصلنا عليها تشير إلى أن المنطقة الممتدة من كوبري الحديد على النيل الأزرق وحتى كوبري الحديد الثاني قد تلوثت بشكل واسع.
• شهود عيان أكدوا أن مليشيات مسلّحة ظهرت في تسجيلات وهي تتباهى باستخدام هذه المواد، متحدثة عن فعاليتها.
• عينات بيئية جمعت لاحقاً أظهرت مؤشرات على مواد سامة من فئة Blister Agents (غازات نفطية مسببة للبثور) وNerve Agents (غازات أعصاب).
• أبرز المواقع المتأثرة: جامعة الخرطوم، القصر الجمهوري، متحف السودان القومي، ومنطقة المقرن.
في تقديري ان استخدام مثل هذا السلاح لا يمكن التستر عليه. ولا يمكن تجاوز أثاره فالتسمم الجماعي المفاجئ، ونفوق الحيوانات، وظهور أعراض جلدية وتنفسية حادة، كلها علامات لا تخطئها أعين المتخصصين.
ثانياً: التحركات الدولية – العقوبات الأمريكية كدليل إدانة:
تصريح قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بأنه “لن ينسحب من الخرطوم” ثم انسحابه المفاجئ، يتزامن زمنياً مع وصول تقارير استخباراتية أمريكية تؤكد استخدام الجيش لأسلحة كيميائية.
• الولايات المتحدة فرضت عقوبات مباشرة على الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتهمة استخدام السلاح الكيميائي، في سابقة خطيرة تعكس حجم الأدلة بحوزتهم.
• مبدأ Command Responsibility (المسؤولية القيادية) في القانون الدولي يحمّل القائد الأعلى المسؤولية عن جرائم الحرب، سواء أمر بها أو غضّ الطرف عن استخدامها.
• مصادر دبلوماسية أكدت أن واشنطن أبلغت البرهان بشكل صريح: “نحن نعلم وتأكدنا من استخدامكم للسلاح الكيميائي”.
هذه الخطوة تؤكد أن المسألة لم تعد دعاية متبادلة، بل قضية جنائية دولية مرشحة للوصول إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ثالثاً: الأبعاد الصحية – كارثة بطيئة تمتد لعقود:
الخطر لم يتوقف عند لحظة الاستخدام. الأطباء يحذرون من أن المنطقة الملوثة أصبحت Hot Zone (منطقة خطرة)، وأن أي شخص يعيش أو يعمل هناك معرض للإصابة بأمراض قاتلة:
• Carcinogenesis (نشوء السرطانات) بأنواع متعددة نتيجة الاستنشاق المزمن.
• Respiratory Failure (فشل الجهاز التنفسي) مع ظهور أمراض ربوية حادة.
• Genetic Mutations (طفرات جينية) تؤثر على الأجيال القادمة.
هذا يفسر القرار الصادم بنقل كافة المقار الحكومية من وسط الخرطوم إلى مناطق بديلة. لم يكن القرار إدارياً بحتاً، بل محاولة لتقليل التعرض لمخاطر صحية يعرف صناع القرار حقيقتها.
رابعاً: التداعيات السياسية – “الكذب حبله قصير”:
محاولة التعتيم على الخبر ودفنه إعلامياً فشلت. فالمجتمع الدولي يملك أدواته الخاصة في Environmental Monitoring (الرصد البيئي) وSatellite Surveillance (المراقبة بالأقمار الصناعية)، ما يجعل أي إنكار غير ذي جدوى.
• حميدتي انسحب تكتيكياً ليتجنب الاتهام المباشر.
• البرهان يواجه اليوم ليس فقط عزلة سياسية، بل شبهة Crimes Against Humanity (جرائم ضد الإنسانية).
• الشارع السوداني فقد ثقته تماماً في الخطاب الرسمي، بعدما أدرك أن الدس والكذب لا يحلان الكوارث بل يفاقمانها.
تُعتبر اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) من أهم الصكوك الدولية في هذا المجال، حيث تنص على حظر تطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية، وتُلزم الدول الأعضاء بتدمير ما لديها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW). هذه المنظمة تملك آليات تحقيق دقيقة، تشمل On-site Inspections (عمليات تفتيش ميداني)، جمع عينات من البيئة والضحايا، واستخدام تقنيات Toxicology & Forensic Analysis (التحليل السمّي والجنائي) للتأكد من وقوع الاستخدام. وفي حال ثبوت الانتهاك، ترفع المنظمة تقاريرها إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ إجراءات عقابية. أما من زاوية القانون الجنائي الدولي، فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعرّف استخدام الأسلحة الكيميائية باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ما يفتح الباب أمام المساءلة الفردية للقادة السياسيين والعسكريين بموجب مبدأ Command Responsibility (المسؤولية القيادية). وعليه، فإن التدخل يمكن أن يتم على مستويين: فني–رقابي عبر OPCW، وقضائي–جنائي عبر ICC، الأمر الذي يضع أي طرف متورط أمام عدالة دولية لا تسقط بالتقادم.
في الختام ان ما جرى في الخرطوم ليس مجرد جولة من جولات الحرب الأهلية، بل جريمة حرب كبرى ستبقى آثارها لعقود. القتل لم يكن آنياً فقط، بل هناك موت صامت يتربص بالسكان في شكل سرطانات وأمراض قاتلة. والعالم الآن يراقب، بينما الحقيقة تفرض نفسها: السلاح الكيميائي استخدم، والعدالة آتية مهما طال الزمن.
والله اعلم..