بقلم: محمد الحسن أحمد
على الرغم من ابتعاد شرق السودان عن أتون الحرب الدائرة، يبدو الإقليم المفخخ بالأزمات قابلاً للانفجار في أي لحظة؛ إثر التناسل المريب للمليشيات المسلحة المدعومة من دولة إريتريا، وفي ظل صراعات عرقية طفت على السطح، استغلتها -وصنعتها- الحركة الإسلامية كإحدى وسائل إجهاض الانتقال المدني الديمقراطي.
خمسة فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، وقعت قبل أيام قليلة على ميثاق تحالف «شرق السودان»، معلنةً النأي بنفسها عن الدخول طرفاً إلى جانب الجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع.
يبدو الخطر ماثلاً بوجود تكتلين مسلحين في الشرق: التحالف الجديد بحركاته الخمس -التي تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية- وتكتل آخر مغاير بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، إضافة إلى “الأورطة الشرقية”، وهي الذراع العسكرية للجبهة الشعبية بقيادة الأمين داوود، المنضوية تحت لواء «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.
إن المشهد أعلاه ينذر بشر مستطير في حال استغلاله من قبل الحركة الإسلامية عبر تحويل الخلافات السياسية والعرقية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، بما يبقي نفوذ القوة بيد المجموعة التي تدين بالولاء لها (مجموعة الناظر ترك)؛ والتي أثبتت التجارب أنها سهلة القياد، ولا تستنكف أن تكون مخلب قط لـ “الكيزان” في الإقليم، وخير دليل على ذلك أحداث كسلا وإغلاق الموانئ البحرية بغرض إسقاط حكومة الدكتور عبدالله حمدوك.
لم تكن موالاة الناظر ترك للحركة الإسلامية ولا لجيشها سوى محاولة لكسب المزيد من الامتيازات الشخصية على حساب قضايا الإقليم الواقع في براثن الفقر والتهميش. وهو ما استغله قائد قوات حركة تحرير الشرق، إبراهيم عبد الله -أحد الفصائل الخمسة- خلال خطابه الأخير، مما أوجد قبولاً واسعاً لجهة مخاطبته قضايا شرق السودان، وهنا مكمن الخطر.
غير أن خطاب قائد قوات حركة تحرير الشرق اشتمل على نقاط أخرى تعد بمثابة خطوات جادة في طريق الانفصال عن السودان؛ حينما كشف عن مطالب وقضايا جرى تسليمها لسلطة بورتسودان عبر دولة إريتريا، التي اعتُمدت منبراً تفاوضياً مع قادة الجيش من قبل الفصائل الخمسة، وهي سابقة لم يعرفها تاريخ الدول والشعوب، ولكنها “سريالية” الحرب العبثية الكيزانية.
لا شيء أكثر دقة في وصف حالتي الاشتعال والانفصال اللتين تقتربان، من قول إبراهيم عبد الله: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا… وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك». فالشرق الذي ظل حاضراً في مطامع الطامعين، يعاني هشاشة وتهميشاً يزيدان من تعقيد الحالة ويضعانه على حافة البركان.
المؤكد أن البلاد لا تزال تدفع -وستدفع لربما وجودها- ثمناً لحصاد ما زرعه “الكيزان” حينما ذبحوا القومية على عتبات القبلية، وأذلوا الجيش وأسسوا المليشيات؛ والنتيجة وطن تتخطفه الخطوب، ولا يمثل في عرفهم سوى “وثن” يضحون به.

