الخميس, مارس 12, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةصلاح مناع: تفكيك دولة التنظيم ضرورة لبناء دولة القانون في السودان

صلاح مناع: تفكيك دولة التنظيم ضرورة لبناء دولة القانون في السودان

متابعات:السودانية نيوز
قال عضو لجنة إزالة التمكين السابق صلاح مناع إن تجربة حكم الحركة الإسلامية السودانية لم تكن مجرد فترة سياسية عابرة، بل مشروعاً متكاملاً للسيطرة على مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد.

وأوضح مناع أن الشبكة المرتبطة بالحركة الإسلامية، عبر حزب المؤتمر الوطني، تمكنت منذ انقلاب عام 1989 من بناء منظومة نفوذ واسعة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والقطاع الاقتصادي، ما أدى – بحسب قوله – إلى تحول الدولة نفسها إلى أداة في يد التنظيم.

وأشار إلى أن تلك الفترة شهدت انتهاكات واسعة شملت الاعتقالات والتعذيب في ما عُرف بـ”بيوت الأشباح”، إضافة إلى الحروب التي اندلعت في مناطق مثل دارفور وجبال النوبة وجنوب السودان، والتي خلفت مئات الآلاف من الضحايا وملايين النازحين.

وتابع في مقاله (هذه المنظومة لم تقم فقط على الهيمنة السياسية، بل على العنف المنظم أيضاً. فقد شهد السودان خلال تلك الحقبة واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخه الحديث. شملت الانتهاكات إعدامات سياسية، وقمعاً واسعاً للمعارضين، واعتقالات وتعذيباً في بيوت الأشباح، إضافة إلى حروب مدمرة في دارفور وجبال النوبة وجنوب السودان، راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين، وتشرد بسببها الملايين. كما وُجّهت اتهامات للنظام باستخدام وسائل حرب محرمة واستهداف المدنيين في مناطق النزاع، وهو ما جعل السودان خلال تلك الفترة واحداً من أكثر الملفات حضوراً في تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. لكن الوجه الأخطر لهذا المشروع لم يكن أمنياً فقط، بل اقتصادياً أيضاً. فقد أنشأت الحركة الإسلامية شبكة اقتصادية ضخمة موازية للدولة، سيطرت عبرها على شركات وبنوك وأراضٍ ومشروعات استراتيجية. وتشير تقديرات عديدة إلى أن عائدات النفط السوداني، التي تجاوزت 100 مليار دولار خلال سنوات الإنتاج، لم تنعكس على التنمية أو تحسين حياة المواطنين، بل تسرب جزء كبير منها عبر شبكات فساد واحتكار مرتبطة بقيادات التنظيم. بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، ظهرت محاولة جادة لتفكيك هذه المنظومة عبر لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة. فقد بدأت اللجنة في كشف الشبكات الاقتصادية والسياسية التي بناها النظام السابق، وصادرت شركات وأصولاً مالية وعقارية ضخمة مرتبطة بقيادات الحركة الإسلامية. لكن هذه العملية واجهت مقاومة شرسة من داخل مؤسسات الدولة التي ظل كثير منها خاضعاً لنفوذ عناصر النظام السابق. وجاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليوقف عملياً مسار تفكيك تلك الشبكات. فقد تم حل لجنة إزالة التمكين وإلغاء معظم قراراتها، كما أُعيدت بعض الأصول المصادرة إلى أصحابها، وتم الاستيلاء على ملفات ووثائق حساسة كانت بحوزة اللجنة. وبالتوازي مع ذلك، غادر عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق السودان إلى دول مختلفة، بينها تركيا ومصر وماليزيا والإمارات والسعودية ودول أخرى، ما عقد جهود تتبع الأموال والأصول التي خرجت من البلاد. ومع اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، دخلت البلاد مرحلة أكثر خطورة، حيث تداخلت شبكات النفوذ القديمة مع صراع السلطة العسكري، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي. إن التجربة السودانية خلال العقود الماضية تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن بناء دولة مستقرة في ظل بقاء شبكات تنظيم سياسي عمل لعقود على اختطاف الدولة وتحويلها إلى أداة لخدمة مشروعه الخاص؟ إن كثيراً من الأصوات داخل السودان باتت ترى أن ما مارسته الحركة الإسلامية — عبر حزب المؤتمر الوطني وشبكاته الاقتصادية والأمنية — يرقى إلى مستوى الإرهاب السياسي والاقتصادي المنظم ضد الشعب السوداني. ولذلك يطالب البعض بتصنيف هذه الجماعة تنظيماً إرهابياً، ليس فقط باعتبارها حركة سياسية، بل كشبكة استخدمت الدولة ومؤسساتها لفرض مشروعها بالقوة والعنف. إن أي مسار حقيقي لبناء دولة القانون في السودان يتطلب مواجهة هذا الإرث بوضوح: كشف الحقيقة كاملة، استعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع إعادة إنتاج نفس المنظومة التي حكمت البلاد لثلاثة عقود. فالدولة لا يمكن أن تنهض بينما تظل مؤسساتها رهينة لتنظيم سياسي يعمل في الخفاء، ويتحكم في الاقتصاد والجيش معاً. والتاريخ السوداني اليوم يقف أمام لحظة حاسمة: إما تفكيك دولة التنظيم وبناء دولة الوطن، أو استمرار الحلقة المفرغة من الانقلابات والحروب والفساد

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات