كتب:حسين سعد
في عالم اليوم تتسابق فيه الدول على حماية أمنها الغذائي، حيث لم يعد تمويل الزراعة مسألة قروضٍ موسمية فقط، بل أصبح أداة استراتيجية لإنقاذ الأرض والإنسان معًا. وفي مشروع الجزيرة والمناقل، حيث تتقاطع خبرة المزارع مع واحدة من أكبر الرقع الزراعية المروية في إفريقيا، يظل سؤال التمويل حاضرًا بإلحاح: أيُّ صيغٍ قادرة على دعم الإنتاج دون أن تُثقل كاهل المزارعين؟ وأيُّ تجاربٍ نجحت في تحويل التمويل من عبءٍ إلى محرّكٍ للنمو والاستقرار؟
في الحلقة الثامنة من سلسلة تقارير مشروع الجزيرة والمناقل نستعرض صيغ التمويل الموجهة للقطاع الزراعي من خلال تجارب دولية رائدة في كل من: كينيا، بنغلاديش، البرازيل، رواندا، أستراليا، بهدف استخلاص دروس مناسبة للدول الساعية لإعادة هيكلة نظمها الزراعية، التي أشار لها دكتور عمر سيد أحمد في ورقته (التمويل وتحديات الإعمار وتطوير قطاعات الأنتاج) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير )
تنطلق هذه الورقة من التجارب الدولية التي أعادت تعريف العلاقة بين المزارع والتمويل. من نماذج التمويل التشاركي، والتأمين الزراعي المرتبط بالمخاطر المناخية، إلى الصناديق الدوّارة والتمويل القائم على السلسلة القيمية، حيث لا يُترك المزارع وحيدًا أمام تقلبات السوق والمناخ. في هذه التجارب، لم يكن الهدف تعظيم الربح المالي فقط، بل ضمان الاستدامة، وحماية صغار المنتجين، وربط التمويل بالإرشاد والخدمات والتسويق.
ومن خلال استعراض هذه النماذج، تسعى الورقة إلى فتح أفق جديد للنقاش حول مستقبل التمويل الزراعي في مشروع الجزيرة والمناقل. فهي لا تنقل التجارب الدولية بوصفها وصفات جاهزة، بل كمصادر إلهام يمكن تكييفها مع الواقع السوداني، بما يعيد الاعتبار للمزارع كشريك في التنمية، ويحوّل التمويل من أداة استدانة قاسية إلى رافعة إنتاج، وعدالة، وأمل متجدد في الحواشات.
تجربة كينيا – التمويل الرقمي عبر M-Pesa
في عام 2007، أطلقت كينيا نظام M-Pesa لتحويل الأموال رقمي ا عبر الهاتف المحمول، ليحدث ثورة في آليات الشمول المالي، خصو صا بين صغار المزارعين في المناطق الريفية. استطاع المزارعون عبر هذه الخدمة: إرسال واستلام الأموال وشراء المدخلات الزراعية دون الحاجة لحسابات بنكية، وسداد أجور العمال والموردين مباشرة من الهاتف، والوصول إل قروض صغيرة مرنة من شركات تمويل رقمي مثل One Acre Fund وM-Kopa. وقد أظهرت الدراسات أن نسبة الشمول المالي في الريف الكيني ارتفعت بأكثر من 30% خلال عقد، كما زادت قدرة الأسر على الادخار ومواجهة الصدمات الاقتصادية .
تجربة بنغلاديش – التمويل الأصغر عبر بنك Grameen
قدّم محمد يونس نموذ جا ثور يا في التمويل الأصغر من خلال تأسيس Grameen Bank في السبعينات ،مستهدف ا النساء الريفيات. يقوم هذا النموذج على تقديم قروض صغيرة دون ضمانات تقليدية، مستن دا إل آلية الضمان الجماعي ضمن مجموعات نسائية محلية حيث ساهم التمويل الأصغر في: دعم مشاريع زراعية منزلية مثل الدواجن وزراعة الخضروات، وتحسين القدرة على الادخار ومراكمة الأصول، وتقليل الاعتماد على المرابين في الريف البنغالي، ويعتبر هذا النموذج من أنجح أدوات تمويل الفقراء وأكثرها استدامة، ونال إعترافا دولياً واسعا،ً حيث مُنح مؤسسه جائزة نوبل للسلام.
تجربة البرازيل – برنامج PRONAF لدعم الزراعة العائلية
أطلقت البرازيل منذ التسعينات برنامج ا رائ دا لدعم الزراعة الأسرية تحت اسم برنامج تقوية الزراعةالعائلية، والذي استهدف تمويل الأسر المنتجة الصغيرة من خلال : قروض بفوائد رمزية تتراوح بين 1.5% و5% سنو يا، وفترات سداد مرنة، ودعم فني وإرشادي مجاني لتحسين الإنتاجية، وتأمين زراعي يغطي الكوارث المناخية، وربط التمويل ببرامج الشراء الحكومي والأسواق المحلية، ونجح البرنامج في تمويل أكثر من 4.5 مليون عائلة زراعية، وساهم في تقليص الفقر الريفي بنسبة كبيرة، كما عزز دور الزراعة الأسرية في الأمن الغذائي الوطني .
تجربة رواندا – التمويل التنموي المرتبط بالإنتاج
بعد الإبادة الجماعية عام 1994، أعادت رواندا بناء قطاعها الزراعي عبر رؤية استراتيجية تربط بين التمويل والإنتاج والتنمية الريفية. تم إنشاء صندوق الاستثمار الريفي بدعم من البنك الدولي ومؤسسات مانحة، وجرى تمويل المزارعين من خلال: قروض ميسّرة للمشاريع الزراعية متوسطة وصغيرة الحجم، ودعم عيني بالمدخلات والأسمدة، بشرط تقديم خطة عمل وتسويق، ودعم التعاونيات الزراعية لتكون وسيطاً جماعيًا في التفاوض على التمويل. وقال سيد أحمد : هذه السياسات أدت إلي رفع إنتاج الغذاء بنسبة 70% بين 2000 و2015، وانخفاض نسبة الفقر الريفي من77% إل أقل من 55%، كما ارتفعت نسبة الشمول المالي الريفي عبر أنظمة مثل جمعيات الادخار والائتمان التعاونية.
تجربة أستراليا – التمويل الزراعي المناخي والذكي
رغم تحرير الأسواق الزراعية منذ التسعينات، تبنت أستراليا نموذ جا للتدخل الذكي لدعم الزراعة، لا سيّما في مواجهة الجفاف والحرائق. تشمل الآليات الرئيسية: قروض الجفاف من صندوق الاستثمار الإقليمي بفوائد منخفضة وفترات سماح، وصندوق الاستدامة الزراعية لتمويل مشروعات الزراعة الذكية مناخياً، والشراكة مع القطاع الخاص في الابتكار الزراعي والتكنولوجيا) نظام دعم التأمين الزراعي من خلال آليات مشاركة المخاطر لتخفيض الأقساط. حيث ساعدت هذه البرامج في تقليل حالات الإفلاس الزراعي، وتحفيز الاستثمار في الزراعة الدقيقة والابتكارات التكنولوجية في البيئات شديدة التقلب.
تجربة الولايات المتحدة – دعم زراعي متعدد الأدوات بقيادة الدولة
رغم طابعها الرأسمالي، تعد الولايات المتحدة من أكثر الدول التي تقدم دعماً منظماً ومؤسسياً للقطاع الزراعي عبر وزارة الزراعة الأمريكية، هذا الدعم لا يقتصر على القروض، بل يشمل:
أدوات التمويل والدعم: وهي تشمل قروض المزارعين المبتدئين ، حيث تقدم منح ومساعدات تدريبية ومالية للمزارعين الجدد، خاصةالشباب والنساء والمحاربين القدامى، وبرنامج القروض الصغيرة يسمح للمزارعين بالحصول على تمويل يصل إلي 50 ألف دولار بشروط مرنة: وهي قروض مرافق التخزين ، وهي تموّل بناء مخازن التبريد، محطات الغسيل والتعبئة، ومخازن الأعلاف، ودعم مباشر وبرامج تعويض الكوارث الطبيعية، وبرامج تأمين زراعي اتحادي تغطي الجفاف والفيضانات وتقلبات الأسعار، خلال أزمة كورونا، خصصت الحكومة الأمريكية نحو 30 مليار دولار لدعم المزارعين، مما يعكس قوة التمويل السيادي وقدرته على امتصاص الصدمات.
تجربة كندا – الزراعة المدارة اتحاديًا والتأمين التشاركي
تتبع كندا نظا ما تشاركي ا في تمويل الزراعة يجمع بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات، تحت مظلة إطار التمويل الوطني المعروف باسم:) الشراكة الزراعية الكندية)
أبرز عناصر النظام الكندي:
أولا: برامج دعم الدخل والتأمين الزراعي: لتعويض تقلبات الدخل وحماية المحاصيل ضد الكوارث حيث تساهم الدولة بنحو 60% من كلفة هذه البرامج، فيما تتحمل المقاطعات النسبة المتبقية.
ثانياُ. تمويل مشاريع الابتكار الزراعي والممارسات الخضراء: وهي دعم مالي للمزارعين الذين يطبقون الزراعة المستدامة أو يخفضون الانبعاثات الكربونية، والتركيز على دعم التكنولوجيا الزراعية وتوسيع سلسلة القيمة الزراعية.
ثالثاً. دعم الأسواق المحلية والتصدير:
o من خلال برامج تسويقية واتفاقيات تجارية تساعد المنتجين على الوصول للأسواق الدولية .
هذه السياسات جعلت من كندا بيئة زراعية مستقرة نسبي ا، وقادرة على التكيف مع التغير المناخي والتحولات الاقتصادية.
دروس مستفادة من التجارب المتقدمة
- لا تترك الزراعة لقوى السوق وحدها، بل تتطلب تدخلا حكومياً ذكيا ًومؤسسياً.
- تنويع أدوات التمويل بين القروض، الدعم المباشر، التأمين، والتكنولوجيا ضروري لتحقيق المرونة.
- التعاون بين الدولة والمقاطعات أو الولايات يضمن فعالية توزيع الموارد ودعم التنوع المناخي والمناطقي
- ربط التمويل بالإنتاج المستدام والتكنولوجيا أصبح ضرورة عالمية في ظل التغير المناخي .
. أستراليا – تمويل الزراعة في ظل التغي المناخي
تعد أستراليا من الدول الرائدة في إدارة المخاطر الزراعية، حيث يتعرض قطاعها الزراعي بشكل متكرر للجفاف، وحرائق الغابات، والفيضانات. لذا تبنت الحكومة الفيدرالية نه جا يجمع بين تحرير الأسواق والتدخل الذكي لدعم الاستدامة والإنتاج .
أبرز برامج التمويل والسياسات: وهي قروض الجفاف التي يقدمها صندوق التمويل الزراعي الوطني ، التي تمول المزارعين بفوائد منخفضة وفترات سماح تصل إل عامين ، وهي تغطي تكاليف العلف والمياه والتشغيل خلال فترات الجفاف الطويلة، بجانب صندوق استثمار الزراعة المستدامة ، لتمويل مشاريع زراعية مبتكرة تراعي الكفاءة المائية والطاقة المتجددة، وهو يُمنح للمزارعين الذين يطورون ممارسات زراعة ذكية مناخياً ، فضلاً عن برامج الشراكة مع القطاع الخاص حيث تشجع الحكومة الشراكات مع شركات التكنولوجيا الزراعية والبنوك التجارية عبر ضمانات جزئية للقروض ، وتسهيلات لإدخال الابتكارات في الزراعة الدقيقة،ت أما تمويل التأمين الزراعي ضد الكوارث، الحكومة لا توفر تأمينًا مباشراً، لكنها تدعم السوق الخاصة عبر المشاركة في تحمل المخاطر، من خلال آلية تعرف باسم (برنامج دعم المنتجات المميزة) حيث تخفّض الدولة أقساط التأمين التي يدفعها المزارعون .
وبشأن النتائج المحققة قالت الورقة:
ساعدت القروض والبرامج المناخية في تقليل إفلاسات المزارع خلال موجات الجفاف المتكررة بين 2016– كذلك .202، كذلك شجعت المزارعين على اعتماد تقنيات الزراعة الحديثة مثل الري الذكي والمجسات البيئية، كما ازداد الاستثمار في الزراعة التجارية بنسبة تزيد عن 25% خلال خمس سنوات بفضل استقرار التمويل ودعم الابتكار.
خلاصة التجربة:
تعكس تجربة أستراليا أهمية التمويل المرن والمرتبط بالمناخ، وقدرتها على تحفيز التحول نحو الزراعة المستدامة حتى في بيئات طبيعية قاسية. كما تظهر كيف يمكن للدولة أن توازن بين السوق الحر والتدخل الذكي لدعم القطاع الزراعي دون تعطيل كفاءته .
تجربة كندا – الزراعة المدارة اتحاديًا والتأمين التشاركي
تتبع كندا نظاماً تشاركياً في تمويل الزراعة يجمع بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات، تحت مظلة إطار التمويل الوطني وم أبرز عناصر النظام الكندي : هي برامج دعم الدخل والتأمين الزراعي لتعويض تقلبات الدخل وحماية المحاصيل ضد الكوارث الطبيعية، وتساهم الدولة بنحو 60% من كلفة هذه البرامج، فيما تتحمل المقاطعات النسبة المتبقية، بجانب تمويل مشاريع الابتكار الزراعي والممارسات الخضراء، وهي تشمل دعم مالي للمزارعين الذين يطبقون الزراعة المستدامة أو يخفضون الانبعاثات الكربونية، والتركيز على دعم التكنولوجيا الزراعية وتوسيع سلسلة القيمة الزراعية. فضلا عن دعم الأسواق المحلية والتصدير، من خلال برامج تسويقية واتفاقيات تجارية تساعد المنتجين على الوصول للأسواق الدولية، هذه السياسات جعلت من كندا بيئة زراعية مستقرة نسبياً، وقادرة على التكيف مع التغير المناخي والتحولات الاقتصادية
دروس مستفادة من التجارب المتقدمة: - لا تترك الزراعة لقوى السوق وحدها، بل تتطلب تدخلاً حكوميًا ذكياً ومؤسسياً،
- تنويع أدوات التمويل بين القروض، الدعم المباشر، التأمين، والتكنولوجيا ضروري لتحقيق المرونة.
- التعاون بين الدولة والمقاطعات أو الولايات يضمن فعالية توزيع الموارد ودعم التنوع المناخي والمناطقي
- ربط التمويل بالإنتاج المستدام والتكنولوجيا أصبح ضرورة عالمية في ظل التغير المناخي .(يتبع)

