تقرير: فريق التحرير
كثفت دولة الإمارات العربية المتحدة من جهودها الدبلوماسية والإنسانية الرامية إلى احتواء الأزمة السودانية المتفاقمة، حيث دعت بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى إقرار هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة ووقف دائم لإطلاق النار. ويأتي هذا التحرك في سياق مساعٍ دولية وإقليمية حثيثة لفتح ممرات آمنة للمساعدات وتشكيل حكومة مدنية تلبي تطلعات الشعب السوداني، وذلك عقب صدور بيان مشترك بين الجانبين يوم الثلاثاء، السادس من يناير الجاري.
يأتي هذا التحرك الدبلوماسي الإماراتي ضمن جهود أخرى تجريها دول الرباعية، خاصة بعد رفض قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الهدنة الإنسانية، حيث يواجه ضغوطات من جماعة الحركة الإسلامية المتهم الرئيسي باشعال الحرب، وتقويض كل الجهود الدولية لايقافها. وكان وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، قد قال في ديسمبر الماضي، إن الهدف الرئيسي والفوري لواشنطن في السودان هو التوصل إلى وقف للأعمال العدائية مع بداية العام الجديد، بما يتيح للمنظمات الإنسانية إيصال المساعدات إلى المتضررين. وأضاف روبيرو أن إدارة الرئيس ترامب قد أجرت اتصالات مباشرة مع قادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر بشأن الأزمة في السودان، في إطار جهود لاحتواء التصعيد ودعم الحلول السياسية. مؤكداً أن بلاده ملتزمة بدعم الجهود الدولية لتحقيق سلام دائم في السودان وتخفيف معاناة الشعب السوداني الذي يواجه أزمة إنسانية حادة.
وقال روبيرو إن بلاده تستهدف إبرام هدنة إنسانية مع دخول العام الجديد، تسمح للمنظمات الإنسانية بإيصال المساعدات إلى السكان الذين يمرون بضائقة شديدة.
تطابق الرؤى الإمارتية والأفريقية حول الحل السياسي
أكد البيان المشترك الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي ودولة الإمارات على ضرورة حماية وحدة أراضي السودان وسيادته، مشدداً على أهمية المساءلة عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي. ورحب الجانبان بالبيان الصادر عن “الآلية الرباعية” في سبتمبر الماضي، معربين عن إدانتهم الصارخة لكافة الفظائع المرتكبة ضد المدنيين من قبل الأطراف المتحاربة. وأن الحل المستدام يكمن في التوصل إلى تسوية سلمية شاملة تقود إلى انتقال سياسي يقوده المدنيون، مع ضرورة تأمين وصول المساعدات الإغاثية دون عوائق إلى كافة الولايات السودانية المتضررة.
تناول الأزمة السودانية وقضية الحرب، جاءت ضمن اجتماع رفيع المستوى بين الإمارات العربية المتحدة ومفوضية الاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، جمع كل من رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، والشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير دولة. استكمالاً لجولة مشاورات سياسية سابقة عقدت العام الماضي في العاصمة أبو ظبي، في إطار مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019، حيث أكد الجانبان التزامهما المشترك بمواصلة تعزيز الشراكة بين دولة الإمارات والاتحاد الأفريقي، وتبادلا وجهات النظر حول مجالات التعاون ذات الأولوية، وأكدا التزامهما بمواصلة الحوار السياسي.

ظل الملف السوداني حاضراً بقوة في الحراك الدبلوماسي الإماراتي، وفي المباحثات رفيعة المستوى بين الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، خلال زيارة العمل التي أجراها الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان في اليوم نفسه، حيث أكد الجانبان أهمية تحقيق هدنة إنسانية تفضي إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية على نحو عاجل ودون عوائق إلى جميع أنحاء السودان، وإطلاق عملية انتقالية شاملة وشفافة تفضي إلى تشكيل حكومة مستقلة بقيادة مدنية.
وشكل الاجتماع فرصة لاستعراض أبرز المستجدات في مجال السلام والأمن على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث أكد الجانبان التزامهما المشترك بتعزيز الاستقرار وترسيخ السلام المستدام. واستعرض الجانبان “المؤتمر الإنساني رفيع المستوى من أجل شعب السودان”، الذي استضافته دولة الإمارات وإثيوبيا والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية “إيغاد” والاتحاد الأفريقي، ونظم على هامش قمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة في فبراير 2025، والذي أسهم في حشد الدعم الإقليمي والدولي لمعالجة الأوضاع الإنسانية في السودان.
فظائع الحرب ووحشيتها التي تقع جلها على المدنيين، أيضاً شغلت حيزاً من النقاشات بين الجانبين. وأدانت دولة الإمارات وإثيوبيا الهجمات التي شنها الطرفان المتحاربان ضد المدنيين، ودعا الجانبان كلا الطرفين إلى الالتزام بحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني كما أكدا أن المسؤولية الأساسية عن إنهاء الحرب الأهلية تقع على عاتق الطرفين المتحاربين.
المسار الإنساني
يمثل الوضع الإنساني الكارثي في السودان هماً دولياً وإقليمياً، حيث توصف الأزمة السودانية بأنها الأسوأ على وجه الأرض. وعلى صعيد التحرك الميداني تكثف الإمارات دعمها للمسار الإنساني، وتعتبر من أكبر الداعمين بالمساعدات الإنسانية منذ بداية الحرب في السودان، وفي الأسبوع الماضي رحبت وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، ريم الهاشمي، ببعثة الأمم المتحدة لتقييم الوضع في مدينة الفاشر، معتبرة إياها خطوة محورية لكسر حصار دام شهوراً. وقالت الهاشمي في تصريح لها: “يجب أن يصبح وصول المساعدات الآن مستداماً ومضموناً لا رمزياً. إن دولة الإمارات على أتم الاستعداد لدعم التوسع الفوري في نطاق المساعدات، حيث إن قدراتنا اللوجستية ومراكز عملياتنا جاهزة لتسريع حركة الإمدادات المنقذة للحياة بمجرد السماح بالوصول.” كما أثنت على الدور الدبلوماسي للولايات المتحدة والجهود الميدانية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم المالي لمواجهة حجم المعاناة الإنسانية المتزايدة.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد المختار محمد لـ “السودانية نيوز”، إن الرباعية تمثل المخرج الذي يجنب السودان والسودانيين من السيناريوهات المظلمة، وخلق فوضى شاملة تجعل من السودان بؤرة للجماعات الإرهابية، في ظل تواتر أنباء عن معسكرات تدريب لهذه العناصر في السودان، مما يعقد الأزمة ويصعب من الخروج من هذا النفق. ويضيف أن الرباعية تحقق ما يريده السودانيون، كونها تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بدولة مدنية، تعيد السودان إلى مسارٍ يعبر فيه السودانيون عن تطلعاتهم عبر الحوار لا البنادق، ويرى المختار أن التحرك الإمارتي والأفريقي يعبر عن مسؤولية وقلق بشأن مصير السودان والمنطقة ككل، كون الحرب في السودان يتجاوز تأثيرها إلى الإقليم باكمله، وفي ظل إنشغال القوى الدولية بأزمات أخرى، يظل السودان هماً عربياً وأفريقياً، وهذا ما يفسر التحرك الإمارتي والأفريقي.
ضغوط دولية وتطلعات مستقبلية
فيما اعتبر مراقبون أن هذا التحرك يعكس رغبة حقيقية في تحويل المسارات الدبلوماسية إلى واقع ملموس، جددت الإمارات دعوتها للأطراف المتحاربة بتطبيق هدنة شاملة فورية دون شروط مسبقة. وأكدت الوزيرة الهاشمي أن الإمارات ستواصل، عبر الحوار الرباعية والشركاء الدوليين، الضغط من أجل ضمان مرور القوافل الإنسانية وتأمين احتياجات الأسر السودانية التي تعاني من ضغوط شديدة.
في أواخر ديسمبر الماضي أصدر حزب الأمة القومي بياناً، اعتبر فيه قرار السلطات السودانية بمنع مرور السلع الغذائية إلى كردفان ودارفور، محاولة لتهجير السكان هناك من مناطقهم التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وكان كل من ولاة ولايات “الشمالية والخرطوم وشمال كردفان” قد أصدروا قرارات تقضي بمنع نقل السلع والبضائع من مدن هذه الولايات إلى عدد من محليات شمال وغرب كردفان، بحجة وقوعها تحت سيطرة قوات الدعم السريع، وقال حزب الأمة القومي في البيان “القرارات تمثل دليلاً على زيف الادعاءات المتعلقة بتوفير سبل العيش للمواطنين، كما تكشف عن توظيف الغذاء واحتياجات الحياة الأساسية كوسيلة للعقاب الجماعي ضد المواطنين، وهي محاولة ضغط لتهجير المواطنين من مناطقهم الى مناطق أخرى لايجاد سبل العيش”.
وذكر البيان أن القرارات ترتب عليه ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الغذائية والأساسية بمحليات بارا، غرب بارا، جبرة الشيخ، سودري، وعدد من محليات غرب كردفان، التي لا تتوفر لها منافذ بديلة لتأمين احتياجات المواطنين. وطالب حزب الأمة القومي، السلطات في ولايات شمال كردفان، الخرطوم، والولاية الشمالية بالتراجع الفوري عن القرارات التي قال إنها “ألحقت أذىً بالغاً بالمواطنين الأبرياء، وتتناقض مع أبسط واجبات الدولة في حماية حياة الناس وصون كرامتهم”.
وأضاف الحزب أن “استخدام الغذاء كسلاح لمعاقبة المدنيين يشكل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي، كما يفضح ادعاءات سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بشأن معاملة السودانيين على قدم المساواة دون تمييز”.

ويقول المحلل السياسي صلاح حسن جمعة، إن دولة الإمارات العربية المتحدة ظلت تنشط في جهود حثيثة عدة، منها دبلوماسية، وسياسية، علي مستويات عالية مع عده دول في المحيط والمنطقة، ممثله في الاتحاد الأفريقي ودول أخرى لتوافق ينهي الحرب ويحتوي الأزمة ككل في السودان، ويرى ججمعة في حديثه لـ “السودانية نيوز”، أن التوافق الإماراتي الأفريقي وإصدار بيان مشترك أكدا فيه على أهمية تحقيق هدنة إنسانية تفضي إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية على نحو عاجل ودون عوائق إلى جميع أنحاء السودان، وإطلاق عملية انتقالية شاملة وايضاً، دعماً قوية لجهود الرباعية، وتطلعات الشعب السوداني في إنهاء الحرب وإقامة حكم مدني.
وتمثل الرباعية التي تضم وزراء خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، والأمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر، آخر طوق نجاة للسودانيين، والتي تسعى بعض الجهات الداخلية والخارجية لإفشالها واستمرار الحرب التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين.
تضع هذه التحركات المتسارعة الأطراف السودانية أمام مسؤولياتها التاريخية، حيث يرى محللون أن التنسيق الإماراتي الأفريقي، يمثل ركيزة أساسية لأي مشروع حل مستقبلي، مع بقاء التحدي الأكبر متمثلاً في استجابة الميدان العسكري لهذه الضغوط السياسية وتغليب مصلحة المدنيين على لغة السلاح.

