الأربعاء, يناير 7, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةعملية فنزويلا: القوة ونفوذ الكبار كنظام دولي جديد

عملية فنزويلا: القوة ونفوذ الكبار كنظام دولي جديد

مركز تقدّم للسياسات – د. محمد قواص

–      تقدّم عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نموذجاً إجرائياً يعكس انتقالاً نوعياً في سلوك الولايات المتحدة داخل مجالها الجيوستراتيجي، من منطق “الإدارة عن بعد” إلى ممارسة مباشرة للهيمنة. ويشير هذا التحول إلى إعادة تفعيل منهجية تقوم على مركزية القوة الصلبة، وإعادة تعريف قواعد الشرعية الدولية على نحو يسمح للدول الكبرى بفرض ترتيبات أمنية داخل “مجالات نفوذها”، بما يعيد إحياء منطق “مبدأ مونرو” بصيغة محدثة.

تنطلق العملية من مقاربة “ترامبية” ترى أن الردع يتحقق بتوسيع حيّز المبادرة العسكرية والسياسية معاً، وربطها بمصالح استراتيجية تشمل أمن الجوار، والطاقة، والمعادن النادرة، وتقليص الحضور المنافس لكل من روسيا والصين.

       غير أن هذه المقاربة تطرح في المقابل مجموعة مخاطر بنيوية، أبرزها: تعميق فجوة الشرعية القانونية، ورفع احتمالات التورط طويل الأمد، وتحويل المكاسب العسكرية إلى أعباء سياسية يصعب إدارتها إذا تعثرت المرحلة الانتقالية.

       على المستوى الداخلي الأميركي، تكشف سجالات الكونغرس والفاعلين السياسيين عن انقسام عميق بين قراءة تعتبر العملية أداة لضبط المجال الحيوي للولايات المتحدة، وأخرى تنبّه إلى إضعاف الضوابط الدستورية وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية خارج إطار التفويض التشريعي والدولي. هذا الانقسام يعكس صراعاً أوسع حول تعريف “المصلحة القومية” وحدود استخدامها للقوة.

       أما في أميركا اللاتينية، فقد ولّدت العملية مروحة واسعة من ردود الفعل، تراوحت بين الإدانة والتحفظ والقبول المشروط، في سياق يعكس مخاوف متجددة من عودة أنماط التدخل وإعادة إنتاج ديناميات الاستقطاب الإقليمي. ويعزّز ذلك احتمالات اهتزاز الأنظمة السياسية الهشة، وتفاقم التوترات بين القوى اليمينية واليسارية.

       دولياً، برزت ثنائية واضحة: إدانة روسية–صينية–إيرانية تنطلق من سردية “انتهاك السيادة”، مقابل مواقف غربية حذرة تمزج بين نقد قانوني وترحيب سياسي بزوال النظام. هذا التباين لا ينتج توازناً رادعاً، بقدر ما يشرعن تدريجياً “التعايش مع القوة”، ويفتح الباب أمام محاكاة سلوكية من قِبل قوى كبرى في بيئات أخرى (أوراسيا، شرق آسيا).

عملية فنزويلا لا تُقرأ كحدث تكتيكي محدود، بل كإشارة إلى إعادة هيكلة أوسع في قواعد التنظيم الدولي: تراجع مكانة القانون والمؤسسات متعددة الأطراف لصالح ممارسات النفوذ، وتوسّع منطق “حق الأقوياء” في إدارة المجال الاستراتيجي. غير أن قابلية هذا النموذج للاستدامة تظلّ مشروطة بقدرة واشنطن على ترجمة الإنجاز العسكري إلى ترتيبات انتقالية مستقرة، وتفادي الانزلاق إلى نمط تدخلات مفتوحة، بما يحول دون تحوّل القوة إلى مصدر فوضى غير قابلة للضبط.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات