كتب.. حسين سعد
بينما الحروب تتفشى وتمزق عالمنا اليوم وتعلو أصوات الكراهية ويتردد صداها في كل مكان، يطل علينا اليوم العالمي للعيش معاً في سلام كتذكير أخلاقي وإنساني بإمكانية أن يكون الاختلاف مصدر قوة وتماسك وليس وقوداً للصراع. وفي السودان، البلاد التي تقيحت جراحه المفتوحة وتقاطعت مع أحلام السلام المؤجل، جدد المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني (RCDCS) التزامه بمناهضة خطاب الكراهية وبناء جسور التعايش السلمي، تحت شعار: «التنوع مصدر ثرائنا.. والتعايش مسارنا نحو السلام المستدام».
وبمناسبة هذا اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجه المركز نداءً إلى ضمير العالم الحي، وصنّاع الرأي، وأهل الإعلام، وقادة الفكر في السودان والعالم، داعياً إلى تعزيز قيم التسامح والوحدة، ومؤكداً أن التعايش السلمي فضلا عن كونه خياراً أخلاقياً، فقد اصبح ضرورة قصوى لاستعادة المسار الديمقراطي وتحقيق الاستقرار في البلاد.
وأوضح المركز أن السودان، في ظل الحرب والانقسامات المجتمعية العميقة، يواجه اختباراً تاريخياً يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين مكوناته الاجتماعية والثقافية، مشدداً على أن السلام المستدام ينبغي يُبنى من القاعدة، عبر حوار يعترف بالتنوع ويحترم الاختلاف ويؤسس لمواطنة متساوية. وبذلك فانه لا يمكن أن يُفرض من أعلى.
وأشار المركز في بيانه إلى أن إيمانه بالتنوع كقيمة إيجابية وثراء إنساني شكّل منذ تأسيسه بوصلة لعمله، حيث سعى إلى تحويل هذا الإيمان إلى برامج ومبادرات عملية، رغم تعقيدات الواقع الأمني والسياسي.

وفي هذا السياق، أكد المركز أن الشباب يمثلون وقود التغيير وصنّاع المستقبل، موضحاً أن برامجه ركزت على تدريب المجموعات الشبابية على مهارات الحوار الفعّال وآليات بناء التوافق. واعتبر أن الحوار ينبغي أن يفهم على انه ممارسة أخلاقية تتطلب الإنصاف، وقبول الآخر، والقدرة على إدارة الخلاف دون انزلاق إلى العنف، قبل أن يكون مجرد أداة تواصل، ، وهي المهارات التي أورد البيان أنه جرى تمكين الشباب بها لمواجهة دعوات الفرقة والشتات.
وفي خطوة وُصفت بالمفصلية، أطلق المركز حملة نبذ العنف ومحاربة خطاب الكراهية، والتي تُوجت بـ «إعلان المبادئ للسلام الاجتماعي وخطاب المحبة في السودان». ونجحت المبادرة في حشد طيف واسع من منظمات المجتمع المدني والقادة السياسيين للتوقيع على ميثاق أخلاقي يرفض التحريض والعنف اللفظي، ويدعو إلى ثقافة الاعتذار والتربية المدنية، بما في ذلك إدماج قيم السلام في المناهج التعليمية.
وامتدت جهود المركز الإقليمي إلى مناطق النزاع والنزوح، حيث نظم ورش عمل مكثفة في كل من كمبالا، وكسلا، والفاشر، والقضارف، وبربر، استهدفت الشباب والنساء وقادة المجتمع المحلي. وركزت هذه الورش على تدريب المشاركين على آليات فض النزاعات بالطرق السلمية، وتعزيز ما وصفه المركز بـ«العقل الجديد اللامركزي»، الذي يحترم التعددية الثقافية باعتبارها مدخلاً أساسياً للانتقال الديمقراطي.
كما نظم المركز حوارات استراتيجية ناقشت الانتقال من مركزية الدولة المعيبة إلى اللامركزية الفيدرالية، باعتبارها إطاراً سياسياً يضمن حقوق المواطنة ويحفظ الهويات المتعددة. ويسعى المركز، عبر هذه الحوارات، إلى خلق منصات تفاوضية جادة تعالج جذور النزاع، وتؤسس لسلام عادل وشامل في عموم السودان.
ورغم التحديات الأمنية وتعقيدات العمل الميداني، أشار المركز إلى أن فرقه أظهرت قدرة عالية على الصمود والتكيف، حيث جرى دمج برامج التعايش السلمي مع الدعم النفسي والاجتماعي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلام المجتمعي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة آثار النزوح والحرب، وتضميد جراح المتضررين.
وفي ختام بيانه، أشاد المركز بشعارات ثورة ديسمبر المجيدة: حرية، سلام، وعدالة، داعياً الفاعلين المحليين والدوليين إلى تكثيف الجهود ودعم المبادرات القاعدية المنبثقة من صميم المجتمع السوداني. وأكد أن بناء السلام المستدام يتطلب الاستثمار في الإنسان، وفي آليات الحوار التي تقودها منظمات المجتمع المدني الوطنية.
وشدد المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني على أن السودانيين اليوم بحاجة عاجلة إلى جعل الوحدة والسلام ممكنين، مجدداً التزامه بمواصلة العمل دون كلل، حتى يصبح العيش معاً واقعاً يومياً في كل قرية ومدينة سودانية.

