الثلاثاء, يناير 6, 2026
الرئيسيةمقالاتلا وطن مع الكوز

لا وطن مع الكوز

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية .نيويورك .

غسل عار الكوز ليس خطيئة عابرة، بل خيانة وعي كاملة. هو محاولة فجة لتبييض ثلاثين عامًا من القتل، والتعذيب، والفساد، والسرقة، وتجريف الدولة والإنسان معًا. ثلاثون عامًا لم تكن “أخطاء حكم”، بل مشروع خراب متكامل الأركان، صُمّم بوعي، ونُفِّذ بدم بارد، ودُفع ثمنه من أعمار السودانيين وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.
هل نجح الكوز الضلالي، عبر هذا الخراب الذي نشره كآخر أوراقه القذرة، في تسويق نفسه منقذًا؟ للأسف، هناك من يحاول، وهناك من يصفّق، وهناك من يساوم. لكن الحقيقة لا تُغسَل بالدعاية، ولا تُمحى بغرف مظلمة ولا أبواق مأجورة. الكوز ليس منقذًا لأنه أصل الهلاك، وليس حارسًا للوطن لأنه أول من باعه، وليس رمزًا لأنه لا يعيش إلا في ظل الخراب الذي يصنعه ثم يتغذى عليه.
هل نجحت غرف الإخوان الخبيثة في تسويق أبواق الخراب؟ نعم، حاولت وتواصل المحاولة، عبر الضخ الإعلامي، وتزييف الوعي، واستدعاء خطاب الخوف، وتقديس الفوضى باعتبارها “ضرورة وطنية”. لكن السؤال الأخطر: هل نسي السودانيون صفات الكوز الذميمة بين ليلة وضحاها؟ هل نُسيت السجون؟ هل مُسحت الذاكرة الجماعية؟ هل صار القاتل واعظًا، والسارق ناصحًا، ومهندس الانهيار رجل دولة؟
أين الشرفاء؟ أين الوعي؟ أين الاستنارة التي خرجت في ديسمبر تهتف ضد الكوز كمنظومة لا كأشخاص؟ أين شعارات الأمس التي كانت ترى في الكوز عدوًا للحياة والحرية؟ أي انحدار هذا الذي يجعل ناشر الخراب، والذي لا يعيش إلا في ظل الحروب التي يشعلها ليشغل بها السودانيين، يُقدَّم اليوم كرمز للبلاد؟
نعم، أعاد البرهان التنظيم إلى مفاصل الدولة كلها. هذه حقيقة لا تحتاج إلى تزيين. لكن هذه الحقيقة لا تعني القبول بالكوز كأمر واقع. الواقع الفاسد لا يُشرعن، والاحتلال الأيديولوجي للمؤسسات لا يتحول وطنية بالتقادم. البرهان، في سبيل الحكم، لا مانع لديه من استدعاء “أهل قريته” ليكونوا حاضنته؛ هذا سلوك مألوف لكل جائع سلطة، ولكل من يرى الدولة غنيمة. لكن جوع السلطة لا يصنع شرعية، والتحالف مع الخراب لا ينتج استقرارًا.
ليس من الحكمة، ولا من الوطنية، أن يُترك السودان رهينة بين كوز وبرهان، وبين منتفعين ملتفين حول موائد اللئام، يقتسمون الدولة بينما الوطن ينزف. ليس من العقل أن نساوي بين رفض الحرب وتبييض من أشعلوها، ولا بين نقد الواقع والاستسلام له. القبول بالكوز يعني القبول بتكرار الجريمة، والسكوت عن عودته يعني توقيع شيك مفتوح لموجة خراب جديدة.
هذه ليست معركة شعارات، بل معركة ذاكرة ووعي. من ينسى الكوز يكرره، ومن يغسله يشاركه، ومن يصمت عنه يمنحه فرصة أخرى ليهلك الوطن بأكمله. السودان لا يحتاج منقذًا مزيفًا، بل يحتاج قطيعة كاملة مع منظومة الخراب، واستعادة للوعي الذي لا يُشترى، ولا يُخدَّر، ولا يُبتز بالخوف.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات