في الوقت الذي انشغلت فيه عدد من دول المنطقة في صراعات أيديلوجية، وادخلت هذه الأنظمة التي تسورت السلطة شعوبها في متاهات معقدة بتبنيها مشاريع عقائدية، سلكت الإمارات العربية المتحدة مداراً بعيداً عن الثلاثية المدمرة المتمثلة في الأيديلوجيا، والشعارات والخطب اللاهبة، والهتافات الصاخبة، وتبنت نهجاً يواجه الواقع والمتغيرات بأدواته وتراكم المعرفة، حيث لا تبنى الرؤية على العاطفة ولا بالتصورات الأيدلوجية الجامدة والمتكلسة، وإنما بلغة الأرقام والتنافسية العالمية. هذا المدار الخاص الذي تسير فيه الإمارات هو ما جعلها تتجاوز تحدي الموارد إلى استثمار العقول، وتوصيفها بكوكب الإمارات ليس طلاءً لفظياً ولا مجرد استعارة بلاغية، وإنما هو قراءة وتشخصيص دقيق لحالة استثنائية استطاعت أن تفك ارتباطها بالثلاثية المدمرة التي عطلت الكثير من مسارات التنمية في المنطقة، وهو مجال المقارنة.
لقد نجحت الإمارات في خلق نموذجها الخاص، حيث لا تكتفي بكونها جغرافيا سياسية، بل تحولت إلى بنية تحتية عالمية للأعمال، والأفكار، والابتكار، تتقافز فيها المؤشرات باستمرار وتحكي التقارير قصص النجاح بالإرقام، ما لفت نظري وأنا اتصفح الأخبار القفزة التاريخية في التجارة غير النفطية للإمارات، والتي تجاوزت 3.8 ترليون درهم، أي ما يعادل أكثر من ترليون دولار خلال عام 2025 بزيادة حوالي 27% مقارنة بعام 2024، وتجاوزت الصادرات النفطية 813.8 مليار درهم بنموء استثنائي يفوق 45% عن العام السابق، وهي أرقام ملفتة للنظر ولا يجب النظر إليها في بعدها الإقتصادي فحسب، وإنما في أبعادها الأخرى لدولة عربية خليجية وهي تخطو خطوات بعيدة في اقتصاد ما بعد البترول، وما يفرضه هذا الأمر من تحولات وتأثير ليس على مستوى الإمارت فقط بل على مستوى المنطقة.
ما دفعني حقاً لكتابة هذا المقال هو الكلفة الباهظة التي دفعتها الشعوب والدول التي سيطرت عليها أنظمة أيديلوجية، حيث يدفع السودان الكلفة الأكبر لمشروع إخواني ماضوي لا يستند إلا على أرقام الفشل، دول كانت ولا تزال تملك كل مقومات النجاح لكنها انجرت نحو الثلاثية المدمرة فاقعدت بها ودمرتها، فالفجوة بين الواقع والتصورات الأيدليوجية دائماً ما تكون حصيلتها ما نحن عليه الآن من دمار وحروبات وجماعات إرهابية. ما وددت أن أشير إليه أيضاً أن أرقام التجارة الخارجية الإماراتية غير النفطية ليست وليدة الصدفة، وإنما إبنة مسار طويل واضح ومتكامل ورؤى واستراتيجيات أكثر وضوحاً، مدعومة بصناعة سياسات تخاطب الواقع والمتغيرات العالمية، حولت الإمارات إلى مغناطيس عالمي، إذ لم تعد تجذب العمالة فقط، بل أصبحت ملاذ لرأس المال البشري النوعي، ووجهة للمليونيرات بفضل منظومة تشريعية مرنة، والتنويع الهيكلي وهو ما يفسر القفزة التاريخية للصادرات غير النفطية، ويعكس تحول الإمارات إلى مركز تصنيع وإعادة تصنيع، يربط الشرق بالغرب عبر مواني ومطارات هي الأنشط عالمياً.
النجاح في تنويع الأقتصاد ينقلنا بشكل مباشرإلى الحديث عن اقتصاد ما بعد النفط، هذه النتائج الأخيرة تؤكد عدة أشياء أهمها هو أن الإمارات تسير بخطوات ثابتة وواثقة نحو اقتصاد متنوع يعتمد على صناعات متعددة، من تجارة، وتصنيع، وخدمات، ولوجستيات، بدلاً من الإعتماد التقليدي على النفط، وهذا بدورة يزيد من الثقة في الاقتصاد الإماراتي ومضاعفة الشراكات الدولية في مجالات مختلفة أهمها الذكاء الأصطناعي، الذي أيضاً ساهمت فيه عوامل كثيرة، من بيئة إقتصادية جاذبة للمستثمرين العالميين، بفضل الأطر التنظيمية التجارية المتطورة، والشراكات الدولية الموسعة، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والمحفزات الاستثمارية القوية.
هذا النمو الاقتصادي تلعب فيه الدبلوماسية الإمارتية والتكامل الدولي دور محوري، واتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة مع حوالي 20 دولة، ولا تزال التوسعة مستمرة، ساهمت جميعها في زيادة حجم الصادرات وفتح أسواق جديدة، بسياسة خارجية تعتمد نهجاً تعاونياً مع مختلف القوى الاقتصادية، الأمر الذي عزز مكانتها كمركز تجاري ولوجستي عالمي، وهي ترتكز على مدرسة دبلوماسية حكيمة تقوم على تصفير المشاكل والأزمات وبناء الجسور، وترى الاستقرار سلعة لها قيمة عالية، كون الاقتصاد القوي يحتاج لبيئة إقليمية مستقرة، لذا نجد الإمارات تنشط في ملفات التهدئة، والوساطة الدولية الهادئة، ومكافحة الإرهاب، والمساعدات الإنسانية، ومبادرة محمد بن زايد للماء، ودورها في حوكمة وقيادة جهود التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، وغيرها من المبادرات.
هذه العلاقات التي بنتها الإمارات على توازن استراتيجي مكنها من الحفاظ على علاقات متينة مع القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، والصين وروسيا في آن واحد، وهذا يعتبر فن دبلوماسي رفيع يعكس قدرة الدبلوماسية الإمارتية وامكانياتها واتساقها في العلاقات الخارجية، وفي موقفها الصارم من الإرهاب والإسلام السياسي، وهو ما يعزز مصداقيتها والموثوقية تجاهها، وتأتي استضافة أبو ظبي المحادثات الثلاثية التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا واوكرانيا معززة لتوجه الإمارات في اطفاء الحرائق التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.
في الحقيقة أننا ندخل في عصر تتراجع فيه العقائد السياسية والايديلوجيات التي شكلت القرن الماضي، وفي ظل عالم سريع التغيير وسريع في السباق التكنلوجي وتقنيات نماذج الذكاء الاصطناعي، يعيد تعريف المقدس السياسي ليتحول من الشعارات الحالمة إلى النتائج الملموسة، وما الذي ينجح فعلياً، وتبني الدول مزيج من السياسات، في ظل موت اليقينيات الكبرى والسرديات التي كانت تقدم إطاراً موحداً لفهم العالم والتاريخ، وتفسير نهائي للواقع، وتحول الصراع من صراع أفكار إلى صراع المصالح والسيادة، وتأمين سلاسل التوريد، والتفوق التقني، ومن يمتلك الذكاء الاصطناعي الأقوى هو من سيصيغ قيم العصر.
خلاصة القول أن الإمارات انتقلت من مرحلة بناء الدولة إلى مرحلة بناء المستقبل، حيث المحرك الأساسي هو الاستباق وليس رد الفعل، في وقت غادرت فيه أغلب دول العالم المستقرة والناجحة عصر الهتافات والخطب لتدخل عصر الإنجاز، فالعالم اليوم السيادة فيه ليست لمن يملك أعلى صوت أيديلوجي وخطب حماسية، بل لمن يملك النموذج الأكثر مرونة وقدرة على التكيف مع تحولات الذكاء الاصطناعي والمناخ.

