شهدت الساحة السودانية تحولاً خطيراً في طبيعة النزاع المسلح، في الحرب التي خططت لها جماعة الإخوان، وهددت بها علناً عبر قيادات الصف الأول، والقيادات الأمنية والعسكرية، حيث جاءت شهادات الضحايا والناجين من هولوكوست غاز الكلور الذي استخدمه الجيش السوداني مرعبة. آثار الأسلحة الكيمائية التي تظهر على أجساد وأنفاس الضحايا والناجين الذين يتلقى بعضهم العلاج خارج السودان تقطع نياط القلب، أجنة في بطون الأمهات قتلت، وحالات اجهاض عالية، وأطفال، ونساء كبار في السن، وشباب في مقتبل العمر، فتك بهم غاز البرهان القاتل وتحدثوا جميعاً في التحقيق الإستقصائي الأخير الذي بثته قناة إسكاي نيوز عربية، وتظهر عليهم آثار جريمة الحرب التي لن تسقط بالتقادم، طفح وحروق جلدية، وأورام في أماكن مختلفة، وأنفاس يبدو عليها الرعب كفيلة بأن تشرح لماذا أجمع العالم على حظر إستخدام الأسلحة الكيميائية في الحروب.
منذ توقيع السودان على اتفاقية الأسلحة الكيمائية عام 1999، أصبح مُلزماً قانونياً أما المجتمع الدولي بعدم استخدام أو تطوير أو تخزين أي مواد سامة كأسلحة، لكن ما حدث في حرب الإخوان التي فلت عقالها من حسابات التنظيم الأكثر إجراماً وارهاباً في المنطقة، هو تجاوز الجيش السوداني كافة الخطوط الحمراء التي رسمها القانونو الدولي الإنساني، إن تحول غاز الكلور من مادة حيوية لتنقية المياه إلى أداة للإبادة الجماعية يمثل أخطر أنواع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي تمتد آثارها الكارثية إلى الأجيال القادمة، وتتطلب وقفة قانونية دولية حازمة.
لقد كشف التحقيق الاستقصائي الذي أجرته “فرانس 24″، كيف استخدم الجيش السوداني الغازات المزدوجة عبر سلاسل إمداد معقدة، وشركات واجهة مثل مجموعة جياد وغيرها، وتحصلوا على مستندات وعقودات، كما نجح التحقيق في تتبع براميل الكلور التي ظهرت في مواقع الهجمات مثل مصفاة الجيلي إلى شركة هندية، أفادت الشركة المصدرة بأن الشحنة كانت مخصصة قانونياً لغرض تنقية مياه الشرب في السودان، وتم تصديرها عبر ميناء بورتسودان قبل شهر واحد فقط من الهجمات التي وقعت في سبتمبر 2024. وكشف التحقيق الاستقصائي عن تورط مباشر للقوات المسلحة السودانية في تحويل المواد المدنية إلى سلاح إبادة فتاك، وبدلاً من استخدامها في الأغراض الإنسانية، رصدت الأدلة الميدانية وتقنيات المصادر المفتوحة الموثوقة جغرافياً تحويل هذه المواد إلى براميل متفجرة كيميائية، القيت فوق مناطق النزاع ومناطق مدنية أخرى، وقد عزز خبراء دوليون، بينهم محققون سابقون في منظة حظر الأسلحة الكيميائية، هذه الفرضية بتأكيدهم أن السحب الخضراء المصفرة المنبعثة في موقع الارتطام هي العلامة المميزة لغاز الكلور السام، وبما أن هجمات جوية بهذا الحجم تتطلب قدرات لوجستية وطائرات عسكرية لا يمتلكها سوى الجيش السوداني في هذا الحرب، فإن التحقيق يضع سلطات بورتسودان أمام اتهامات صريحة بانتهاك المواثيق الدولية واستخدام سلاح الجبناء “السلاح الكيميائي”، ضد الأهداف المدنية والعسكرية، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لانصاف الضحايا ومحاسبة الجناة.
سعى قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى انكار استخدام الجيش الأسلحة الكيميائية، فهو يدرك أن ثبوت استخدام الأسلحة المحرمة دولياً ليس مجرد انتهاك حقوقي، بل هو خط أحمر دولي ينقل القيادة العسكرية من طرف في نزاع سياسي إلى “مجرمي حرب”، ملاحقين دولياً، فالإنكار هنا ليس موجهاً للداخل السوداني الذي اكتشف حقيقة الجريمة حتى قبل العقوبات الأمريكية، بقدر ما هو محاولة لاستباق تحركات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ولاحقاً المحكمة الجنائية الدولية، وللحفاظ على ما تبقى من إعتراف دبلوماسي بسلطة بورتسودان، التي تواجه أيضاً اتهامات بارتكاب جرائم حرب ومذابح عرقية في ولاية الجزيرة وقرى الكنابي، كما كشف التحقيق الاستقصائي الذي نشرته محطة شبكة “سي ان ان”، و “فرونت لاين ريبورتس”، بجانب الجرائم والانتهاكات ضد آلاف المدنيين التي يرتكبها طيران الجيش المسير بشكل مستمر.
لن يجدي إنكار البرهان وهو يمارس هواية الهروب إلى الأمام، في تساؤل سمج “وينو الكيماوي القالو الجيش استخدمو”، بينما الأدلة وشهادات الضحايا والناجين وصلت إلى العالم موثقة صورة وصوت. وهي نفس طريقة الإنكار السمجة التي قال فيها من قبل “وين الإخوان المسلمين القلتو في الجيش”، بينما يئن الجيش السوداني بتمكين إخواني عميق ومتجذر، حوله لجناح عسكري للحركة الإسلامية وأمانة من أماناتها، ولن يجدي تهديده لرئيس وزراء الحكومة الانتقالية الذي انقلب عليه الدكتور عبد الله حمدوك، والقيادي في تحالف صمود السيد خالد عمر، بعد اثناء جولة أوربية لهم تهدف إلى حشد مزيد من الجهود الدولية لدفع عجلة الرباعية، واجراء تحقيق دولي بشأن استخدام الجيش الأسلحة الكيميائية.
نحن إذن أمام سيناريو سيضع قيادات بورتسودان تحت طائلة المسؤولية الجنائية أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، فالأدلة الجنائية لا تطير، والتكنلوجيا الحديثة قادرة على تتبع مسارات الطيران الانتنوف، وتحليل متبقيات الغاز في التربة وأجساد الضحايا، والإعترافات التي تأتي من داخل المنظومة الإجرامية وتسليم كافة الأدلة والمستندات أيضاً لن تكون بعيدة. والجريمة لا تقتصر على من ضغط على الزناد وألقى البراميل، بل تمتد لتشمل تجار الموت الكيميائي، إن تتبع مسار الشحنات من مواني المنشأ وصولاً إلى بورتسودان والخرطوم يكشف عن شبكة معقدة من الشركات التي تستغل الغطاء المدني لتهريب مواد محظورة. والتحقيق الدولي المستقل هو الوحيد الكفيل بكشف هذه الجرائم المروعة والخديعة الكبرى، ومحاسبة الأطراف الدولية والمحلية المتواطئة في تزويد آلة الحرب بالغازات الكيميائية القاتلة. الناجون والضحايا بامكانهم وقتها رفع دعاوى قانونية ضد أطراف عديدة سهلت وصول غاز الموت لجيش الإخوان.
بين أوجاع أطفال ونساء مليط، والكومة، ونيالا، وعدد من مدن دارفور وكردفان وسنار، ومعاناة المدنيين في مصفاة الجيلي والخرطوم، يبرز تساؤل قانوني وأخلاقي ملح، بأي حق يخنق السودانيون في هولوكوست وثقوه بأنفسهم وكشفت حقيقته المخابرات الأمريكية والتحقيقات الصحفية الاستقصائية؟، إن صمت المجتمع الدولي أمام إثباتات استخدام الغازات الكيميائية السامة لا يعد حياداً، بل تواطؤ مع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إن دروس التاريخ تخبرنا أن غازات اليوم هي نتيجة مباشرة للإفلات من العقاب عن جرائم الأمس، وقد اتهمت منظمة العفو الدولية الدولية الجيش السوداني من قبل باستخدام أسلحة كيميائية في هجمات على قرى في إقليم دارفور سنة 2016، تسببت في مقتل أكثر من مئتي مدني، بينهم أطفال.

