الأحد, يناير 25, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةمن القبول الصامت إلى المواجهة:(4)

من القبول الصامت إلى المواجهة:(4)

كتب: حسين سعد
في العلن، بدت الأمور هادئة. بيانات مقتضبة، اجتماعات دورية، وتصريحات توحي بأن ملف قانون مشروع الجزيرة يسير في مساره الطبيعي. لكن خلف هذا الهدوء، كانت الغرف المغلقة تشهد توترًا متصاعدًا، ونقاشات حادة، وصراعًا أخلاقيًا وسياسيًا حول سؤال واحد: هل يملك مجلس إدارة مشروع الجزيرة الحق في تمرير قانون لم يُكتب بمشاركة المزارعين؟
هذه الحلقة تأخذ القارئ إلى داخل مجلس الإدارة نفسه، حيث لم يكن الخلاف حول الصياغات القانونية فحسب، بل حول معنى المسؤولية بعد الثورة، وحدود التفويض، والخط الفاصل بين الإنجاز الإداري وخيانة الثقة الشعبية، بين التفويض والثورة تشكّل مجلس إدارة مشروع الجزيرة في سياق انتقالي معقّد، محمّلًا بتوقعات عالية من المزارعين والرأي العام. لم يكن المجلس مجرد جسم إداري، بل رآه كثيرون امتدادًا لروح الثورة داخل واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية في البلاد
غير أن مقترح قانون 2021 وضع هذا المجلس أمام اختبار غير مسبوق
هل سيكون أداة لإعادة إنتاج النهج القديم؟ أم منصة لمقاومة التشريعات الفوقية؟
المسودة تصل إلى المجلس بحسب ما يوثقه الكتاب، وصلت مسودة القانون إلى مجلس الإدارة في مرحلة متقدمة، بعد أن أُنجزت أعمال لجنة الصياغة، وأُقيمت ورش المشورة المحدودة. لم يكن جميع الأعضاء على علم بتفاصيل المسار الذي قطعه القانون، ولا بحجم الاعتراضات القاعدية عليه، في اجتماع وُصف بأنه مفصلي، جرى توزيع المسودة على الأعضاء، وسط دعوات غير معلنة للإسراع في إجازتها ورفعها للجهات العليا، لكن منذ اللحظة الأولى، ظهرت علامات القلق، أسئلة لم تجد إجابات طرح بعض الأعضاء أسئلة بدت بديهية، لكنها كانت محرجة، هل تم إشراك المزارعين فعلًا؟ هل تعكس هذه المسودة مطالب القواعد؟ هل نملك تفويضًا أخلاقيًا لتمرير هذا القانون؟ لم تكن الإجابات مقنعة. فالمسار، كما تبيّن، كان أقرب إلى إجراء مكتمل يُراد للمجلس أن يمنحه الغطاء الأخير، وهنا بدأ الانقسام، رئيس المجلس في موقف صعب يبرز في هذه المرحلة موقف رئيس مجلس الإدارة، الصديق عبد الهادي أبو عشرة، الذي وجد نفسه أمام معادلة معقّدة، إما القبول بمسار لا يثق في مشروعيته، أو الدخول في مواجهة داخلية قد تُفسَّر كتعطيل للعمل، بحسب الكتاب، عبّر رئيس المجلس بوضوح عن تحفظاته، واعتبر أن تمرير القانون بهذه الصيغة يتناقض مع مطالب المزارعين، ويضع المجلس في مواجهة مباشرة مع قواعده الاجتماعية.


هذا الموقف لم يكن محل إجماع.
تياران داخل المجلس يكشف التوثيق عن وجود تيارين واضحين داخل مجلس الإدارة:
تيار الإنجاز السريع يرى أن المرحلة الانتقالية قصيرة، وأن أي تأخير في إصدار القوانين قد يضيّع الفرصة، حتى لو كان ذلك على حساب المشاركة الواسعة.
تيار الشرعية الشعبية يرى أن أي قانون لا يحظى بقبول المزارعين، ولا يُكتب بمشاركتهم، هو عبء سياسي وأخلاقي، مهما كانت نواياه.
هذا الانقسام لم يكن شخصيًا، بل تجسيدًا لصراع أوسع داخل الدولة الانتقالية بين منطق السرعة ومنطق العدالة.
اجتماع رمضان: اللحظة الفاصلة يصف الكتاب اجتماعًا طارئًا عُقد خلال شهر رمضان، باعتباره نقطة التحول. في هذا الاجتماع، احتدمت النقاشات، وارتفعت حدّة الخلاف، وبدأت الأسئلة تأخذ طابعًا مباشرًا:
هل نريد أن نُسجَّل في التاريخ كمجلس مرّر قانونًا مرفوضًا؟ أم كمجلس أوقف مسارًا خاطئًا؟
في هذا الاجتماع، تبلور موقف رافض للمضي في تمرير المسودة دون توافق، لكن في المقابل، ظل هناك ضغط غير مباشر لإنهاء الملف.
سحب المسودة… مؤقتًا أمام تصاعد الخلاف، جرى سحب المسودة مؤقتًا من التداول داخل المجلس. لم يكن ذلك انتصارًا نهائيًا، بل هدنة هشة في صراع لم يُحسم بعد.
هذا السحب كشف أمرين:
أن المجلس لم يكن كتلة صماء.
وأن تمرير القانون لم يكن بالإجماع كما أُريد له أن يظهر.
لكن الخطر لم ينتهِ.
ما وراء الخلاف: سؤال المسؤولية لم يكن الخلاف داخل مجلس الإدارة حول نصوص قانونية فحسب، بل حول سؤال أعمق: لمن يتحمل المجلس المسؤولية؟
هل مسؤوليته الأولى أمام السلطة التنفيذية؟
أم أمام المزارعين الذين يمثلهم؟
أم أمام التاريخ؟
هذا السؤال ظل معلقًا، لكنه سيظهر بقوة في الحلقات التالية، حين تبدأ محاولات تمرير القانون خارج المجلس.
مجلس إدارة تحت الضغط يكشف الكتاب أن الضغوط لم تكن داخلية فقط، بل جاءت أيضًا من مناخ سياسي عام يفضّل الاستقرار الشكلي على النقاش العميق. وفي مثل هذا المناخ، يُنظر إلى الاعتراض باعتباره تعطيلًا، لا تصحيحًا.
لكن تجربة مجلس إدارة مشروع الجزيرة تثبت أن أخطر أنواع التعطيل هو تمرير الخطأ.
البعد الحقوقي للصراع من زاوية حقوقية، فإن ما جرى داخل مجلس الإدارة يُعد صراعًا حول:
حق المشاركة.
حق تقرير المصير الاقتصادي.
حق المجتمعات المحلية في صياغة القوانين التي تحكم مواردها.
وهذه ليست مطالب فئوية، بل مبادئ دستورية في أي نظام ديمقراطي
تقصير رئيس مجلس الإدارة… واعتذار
يقرّ صديق عبد الهادي بأنه أخطأ التقدير في تعاطيه مع مسار مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021، معترفاً بأن جهوده انصرفت إلى لقاء المسؤولين وكتابة المقالات بدلاً من الذهاب مباشرة إلى أهل المصلحة الحقيقيين وفتح حوار علني واسع معهم. ويؤكد أن الاكتفاء بالتشاور مع بعض التنظيمات، رغم فاعليتها، لم يكن كافياً لأنها لا تمثل غالبية المزارعين الموجودين خارج الأطر التنظيمية.
ويعترف بأن الاعتماد على التصريحات الصحفية لم يغنِ عن الواجب الأساسي المتمثل في وضع المقترح أمام جميع المزارعين والعاملين بالمشروع بشكل مباشر. ويقدّم اعتذاراً صريحاً لأصحاب المصلحة، خاصة المزارعين، مؤكداً أن هذا التقصير غير مقصود، وأن فتح الحوار العلني منذ البداية كان كفيلاً بردع اللجنة القانونية وإلزام مجلس الإدارة بتحمل مسؤوليته كاملة.
ويشدد عبد الهادي على أن مجلس إدارة مشروع الجزيرة لم يناقش مقترح القانون ولم يصدر بشأنه موقفاً موحداً، معتبراً أن مقترح قانون 2021 أصبح “في ذمة التاريخ” بعد أن أُجهض بفعل تغييب المشاركة الحقيقية لأهل المشروع، رغم الجهد المبذول في إعداده.
وفي ختام حديثه، يستعرض جملة من التعديلات الجوهرية المقترحة لأي قانون قادم، أبرزها: توضيح المفاهيم الأساسية مثل الإنتاج والإنتاجية، إدارة المشروع على أساس العائد المجزي لا النهج الخيري، حماية حقوق الملكية وفق المعايير الدولية، تمثيل المرأة في مؤسسات المشروع، تخصيص فرص عمل لأبناء وبنات المنطقة، إخضاع المؤسسات الاقتصادية لمجلس الإدارة، إقرار نظام ضمان اجتماعي للمزارعين، النص الواضح على التزامات الدولة ومسؤولية مجلس الإدارة في حماية الأرض، منع تدخل الإدارة في العمل النقابي، والالتزام برفع كفاءة العاملين باعتباره مدخلاً أساسياً لتطوير المشروع.
.
الخاتمة من المحرر: المجلس كمرآة للمرحلة الانتقالية تكشف هذه الحلقة أن مجلس إدارة مشروع الجزيرة لم يكن مجرد جسم إداري يناقش مسودة قانون، بل كان مرآة مكبّرة لأزمة الحكم الانتقالي في السودان.
انقسام بين السرعة والشرعية، بين الإدارة والسياسة، بين الخوف من الفشل والجرأة على التراجع.
في الحلقة القادمة، نغادر قاعة الاجتماعات، ونتتبع محاولة تمرير القانون إلى مجلس الوزراء، وكيف تحوّل الخلاف الإداري إلى مواجهة سياسية مفتوحة (يتبع)

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات