كتب:حسين سعد
فشل الدولة السودانية في احترام التنوّع والتعدد، ليس مسألة ثقافية فحسب، بل انتهاكٌ ممنهج للحقوق الأساسية: الحق في الهوية، والحق في المشاركة السياسية، والحق في التنمية المتوازنة، والحق في الحياة نفسها. لانه ببساطة عندما تُختزل الدولة في هوية واحدة، يصبح العنف لغة بديلة، وتتحوّل النزاعات إلى حروب طويلة، ويُعاد إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل، وهذا ما حصل لدينا في السودان منذ حرب الجنوب والمنطقتين ودارفور والشرق، كان يفترض أن يكون التنوع جسراً للحياة، لكن هذا الجسر تكسّر مراراً، وتحول الاختلاف إلى خندق، وإلى وقود لحروب لا تنتهي، منذ الاستقلال، أُدير السودان بعقل الدولة الأحادية، التي رأت في الاختلاف تهديداً للوحدة، لا أساساً لها، فتمّ تهميش ثقافات بأكملها، وإقصاء لغات، ووصم هويات، وتحويل الانتماء من حقٍّ طبيعي إلى امتياز سياسي، ومع كل دورة من دورات الإقصاء، كانت النار تشتعل في الأطراف، ويُدفع المدنيون—نساءً وأطفالاً—ثمن سياسات لا تعترف بالمواطنة المتساوية ولا بالكرامة الإنسانية، اليوم، يعيش السودان واحدة من أعقد أزماته، يطفو السؤال الحقوقي والأخلاقي من جديد: هل يمكن بناء سلامٍ مستدام دون اعتراف حقيقي بالتعدّد؟ وهل يمكن لدولة أن تنهض؟ وهي تنكر تنوّع شعبها؟
السودان من أكثر الدول تنوعاً في إفريقيا والعالم، حيث يضم أكثر من 500 مجموعة عرقية وأكثر من 100 لغة، مما يمنحه ثراءً ثقافياً فريداً يشمل مزيجاً من الثقافات العربية، النوبية، والإفريقية، وأشارت تقارير صحفية إلى أن هذا التنوع يُعتبر (نعمة) لإثراء الحضارة، لكنه يُواجه تحديات في الإدارة السياسية والاجتماعية، هذا التنوع لم يكن يوماً المشكلة في حد ذاته، بل كانت إدارته السياسية المختلّة هي المشكلة، فمنذ الإستقلال، بُنيت الدولة السودانية على مركزية ثقافية وسياسية ضيقة، وإعتبرت هوية واحدة – لغوية وثقافية ودينية – معيار الانتماء الكامل للدولة، وأقصت ما عداها، فالدولة السودانية فشلت في الإعتراف بأبنائها منذ عام 1956، كما تعاقبت على الحكم أنظمة مدنية وعسكرية، لكنها تشابهت في أمر جوهري: العجز عن الاعتراف المتساوي بالتنوع، فبدلاً من بناء دولة مواطنة، جرى تكريس دولة نخبوية مركزية، ترى في الاختلاف تهديداً لا فرصة، فالحرب الاهلية في جنوب السودان قبل إستقلاله كانت أول إنفجار لفشل التعدد ، وكذلك المنطقتين حيث أصبحتا مسرحاً لصراع الهوية والتنمية غير المتوازنة ثم دارفور التي شهدت واحدة من أسوأ الجرائم الإنسانية، وهكذا، تحوّل التنوع إلى ذريعة للقتل، بدل أن يكون أساساً للتعايش.
التنوع مصدر ثرائنا:
في اليوم العالمي للعيش معاً في سلام، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة، يطلّ سؤال موجع: لماذا فشل السودان، بكل هذا الثراء الإنساني، في تحويل تنوّعه إلى سلام مستدام؟ ولماذا ظلّ التعدد الثقافي والديني والإثني، بدلاً من أن يكون مصدر قوة، أحد أبرز أسباب النزاعات والحروب؟ وسط هذه الاسئلة الملحة والضرورية جاء بيان المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني تحت شعار(التنوع مصدر ثرائنا.. والتعايش مسارنا نحو السلام المستدام) موجها إلى ضمير العالم الحي، صناع الرأي، أهل الإعلام حراس الكلمة، وقادة الفكر في السودان والعالم أجمع، ليعيد فتح النقاش حول جذور الأزمة، ويطرح رؤية قاعدية ترى في السلام مشروعاً مجتمعياً لا قراراً فوقياً؟ وقال المركز الاقليمي في بيانه : لقد آمنا في المركز الإقليمي، ومنذ التأسيس، بأن التنوع نعمة وثراء، وعملنا عبر سلسلة من المبادرات النوعية على تحويل هذا الإيمان إلى واقع ملموس، خاصة في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد، ومن أبرز ملامح جهودنا التي نضعها أمام المجتمع الدولي اليوم.
ميثاق يرفض التحريض:
أدرك المركز أن الشباب هم وقود التغيير وصناع المستقبل؛ لذا ركزت برامجنا على تدريب المجموعات الشبابية على مهارات وآليات الحوار الناجح والفعال، وذلك لإيماننا بأن الحوار من المهارات التي تتطلب الإنصاف، وتقبل الاختلاف، والقدرة على بناء التوافقات، وهي الأدوات التي سلحنا بها الشباب لمواجهة دعوات الفرقة والشتات. كما أطلق المركز (حملة نبذ العنف ومحاربة خطاب الكراهية)، والتي تُوجت بـ (إعلان المبادئ للسلام الاجتماعي وخطاب المحبة في السودان) وأوضح البيان : لقد نجحنا في حشد طيف واسع من منظمات المجتمع المدني والقادة السياسيين للتوقيع على ميثاق أخلاقي يرفض التحريض، ويؤسس لثقافة الاعتذار والتربية المدنية في المناهج التعليمية. مشيراً إلي إنه-اي- المركز الاقليمي نفذ ورش عمل في مناطق النزاع والنزوح (كمبالا، كسلا، الفاشر، القضارف، وبربر)، وتدريب الشباب والنساء وقادة المجتمع على آليات فض النزاعات بالطرق السلمية بالتركيزعلى تعزيز مفهوم (العقل الجديد اللامركزي) الذي يحترم التعددية الثقافية كمدخل أساسي للانتقال الديمقراطي

حوارات إستراتيجية:
ولفت المركز إلي أنه نفذ حوارات استراتيجية تركزت حول الانتقال من مركزية الدولة المعيبة إلى اللامركزية الفيدرالية التي تحفظ حقوق المواطنة والهوية، لجهة خلق منصات تفاوضية تنهي جذور النزاع في عموم البلاد بالرغم من التحديات الأمنية حيث قمنا بدمج الدعم النفسي والاجتماعي مع برامج التعايش السلمي، إدراكاً منا بأن السلام المجتمعي يبدأ من تضميد جراح المتأثرين بالنزوح والحروب، وأشاد المركز بشعارات ثورة ديسمبر المجيدة (حرية، سلام، وعدالة)، داعياً جميع الفاعلين المحليين والدوليين إلى تكثيف الجهود وتقديم الدعم للمبادرات القاعدية التي تنبع من صميم المجتمع السوداني، معتبراً بناء السلام المستدام يتطلب الاستثمار في الإنسان وفي آليات الحوار التي تقودها منظمات المجتمع المدني الوطنية، وقال المركز اأن السودانيين اليوم أكثر حاجةً إلى جعل الوحدة والسلام ممكنين، كما نؤكد أننا لن نتوقف عن العمل حتى يصبح العيش معاً واقعاً يومياً في كل قرية ومدينة سودانية.
الخاتمة من المحرر:
هل يمكن إنقاذ التنوع؟ نعم، يمكن، لكن بشرط واحد: أن نعترف بأن ما فشل ليس التنوع، بل إدارتنا له، فالتنوع في السودان ليس لعنة، بل فرصة تاريخية، لبناء دولة تعترف بكل أبنائها، وتحوّل الاختلاف إلى قوة، لا إلى ساحة حرب، كما قال المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني، فإن بناء السلام المستدام يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وفي المبادرات القاعدية، وفي الحوار، لا في البنادق، في بلادي التي أنهكتها الحروب، يصبح العيش معا في سلام فعلا مقاوما، ومشروعاً شجاعاً، ومسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل؟

