تقرير:حسين سعد
في زمنٍ كانت فيه البنادق أعلى صوتًا من المحاريث، وكانت الأرض تُروى بالخوف بدل الماء، اختار مزارعو الجزيرة والمناقل أن ينحازوا للحياة. وسط حربٍ مزّقت القرى، وقطعت سلاسل الإمداد، ودفعت الملايين نحو الجوع والنزوح، وُلدت حملة «لازم نزرع» بوصفها فعل مقاومة مدنية، وصرخة حقوقية، وموقفًا أخلاقيًا يقول إن الحق في الغذاء لا يسقط بالحرب، وإن الأرض التي أطعمَت السودان لعقود لا يجوز أن تُترك للفناء، لم تكن «لازم نزرع» مجرد دعوة للزراعة في موسمٍ معطوب، بل كانت دفاعًا صريحًا عن كرامة الإنسان وحقه في البقاء. أطلقها تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل في أحلك لحظات مشروع الجزيرة، حين تعطلت مؤسسات الدولة، وغاب الدعم الرسمي، وتحوّلت الحقول إلى مساحات مهددة بالإهمال والنهب والدمار. ومع ذلك، نهض المزارعون—رجالًا ونساءً—من تحت ركام الخوف، حاملين بذورهم كوثائق حياة، ومؤكدين أن الزراعة ليست نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل حقًا إنسانيًا أصيلًا، وجبهة صمود في وجه سياسات التجويع وانتهاكات الحرب، جسدت الحملة بُعدًا حقوقيًا واضحًا؛ إذ واجهت واقعًا يُنتهك فيه الحق في الغذاء، والعمل، والعيش الآمن، ووضعت المزارع في قلب المعادلة بوصفه حارس الأمن الغذائي، لا ضحية هامشية. وفي لحظةٍ تتفكك فيها الروابط الاجتماعية، أعادت «لازم نزرع» ترميم معنى التضامن، وربطت بين الأرض والناس، بين البقاء والعدالة، بين الزرع والسلام. كانت رسالة إلى الداخل والخارج بأن حماية مشروع الجزيرة ليست قضية إنتاج فقط، بل قضية حياة لملايين السودانيين، هكذا، تحولت الحملة إلى فعل أملٍ عنيد: أملٍ يزرع رغم الرصاص، ويطالب بالحقوق رغم الغياب، ويُصرّ على أن الحرب—مهما طال ليلها—لا تملك حق اقتلاع الجذور. «لازم نزرع» لم تُعلن موسمًا زراعيًا فحسب؛ بل أعلنت انحيازًا شجاعًا للحياة، وكتبت سطرًا إنسانيًا جديدًا في تاريخ مقاومة الجوع والخراب في السودان؟؟.
لازم نزرع:
وفي مواجهة هذا الواقع، برزت حملة «لازم نزرع» التي أطلقها تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل كمبادرة مقاومة مدنية سلمية، تهدف إلى التمسك بالأرض، وتوفير الغذاء، وحماية ما تبقى من أصول المشروع الزراعي. وأوضح مقرر التحالف عبد الرؤوف عمر في ورقته التي إستعرضها في مؤتمر الإغاثة، الذي نظمته (18) جسمًا نقابيًا ومهنيًا وسياسيًا خلال الفترة من 19 إلى 21 ديسمبر 2025م ، أوضح أن الحملة، رغم شحّ الموارد وظروف الحرب، حققت نتائج مشجعة في مرحلتها الأولى، باستفادة آلاف الأسر وزراعة آلاف الأفدنة بالزراعة الصفرية والزراعة المنزلية، وقال مقرر التحالف إن ما حدث في الجزيرة لا يختلف عن ما شهدته دارفور عام 2003، مشيرًا إلى تقارير أممية عن انتهاكات واسعة ضد السكان والمزارعين وتدمير أصول المشروع.ى وأوضح عمر أنه بالرغم من النزوح والنهب وفقدان البنية الخدمية بالمشروع أطلقنا حملة (لازم نزرع) التي تهدف للبقاء والدفاع عن الأرض ،وتوفير الغذاء وتقليل خطر الجوع ، وحماية ما تبقى من أصول المشروع، ومعالجة الآثار النفسية للحرب، وتمكين المجتمعات الزراعية المتضررة، وأوضح أن الحملة استهدفت في مرحلتها الأولى زراعة ثلاثة آلاف فدان بالزراعة الصفرية (من دون مدخلات إنتاج) و1500 منزل بزراعة خضروات منزلية، ووصف مقرر التحالف في ورقته التي قدمها في ختام جلسات مؤتمر الاغاثة وصف نتائج المرحلة الأولي بالمشجعة، حيث: شملت الحملة 9 أقسام، وو42 قرية، إستفادت منها 2540 أسرة، بواقع 20 ألف مستفيد، وبتمويل بلغ 16.655 مليار جنيه سوداني، ومن نماذج النجاح المحلية:قرية ود بهاي: في إنتاج البيوجاز، وإدخال أسمدة طبيعية، ودراسة لإنتاج الدواجن عبر الفقاسات، بينما كانت قصص النجاح في قرية مناقزا بمحلية الحصاحيصا في إنشاء مشتل لإنتاج الشتول، وتطبيق الزراعة المدرسية، في وقت تمثلت فيه النجاحات في قرية تنوب: من خلال نشاط مجتمعي واسع، وصول عدد المستفيدين إلى 270 أسرة.

الزراعة كفعل صمود
وأوضح عمر ان المرحلة الثانية ان المرحلة الثانية من (حملة لازم نزرع ) بدأت منتصف أغسطس وحتى نهاية 2025، بعد عودة الحياة تدريجيًا للقرى والكنابي، وتهدف إلى:رفع عدد المستفيدين إلى 10 آلاف أسرة، وصيانة قنوات الري، وتنفيذ ورش للنساء والشباب، وإنشاء ثلاثة مشاتل، وإدخال 3 فقاسات لدعم تربية الدواجن، ودعم الزراعة المدرسية، وتأسيس بنك للبذور المحلية ، وقال مقرر التحالف إن منظمات إعلامية مثل “سلام ميديا” ومنصة “السودان للزراعة والأمن الغذائي” ساهمت في التدريب وإعداد تقارير وتغطية الحملة، وشملت الجهود الإعلامية: إصدار بوسترات تعريفية، وتنظيم ثلاث ندوات عبر الإنترنت، ونشر بيانات متعددة حول تقدم الحملة ، وقال التحالف إن إنجازات المرحلة الأول بالرغم من شح المياه وضعف الإمكانات ووجود معوقات كبيرة شملت انعدام المياه في القرى وقنوات الري، وضعف الوعي بالزراعة المنزلية. ومن جهتها قالت الدكتورة مواهب الطيب الخبيرة في الطاقة البديلة إن التركيز علي التعاونيات الزراعية والزراعة المنزلية توجه مهم ويساعد علي تحقيق الإنتاج للمزارعيين والمزارعات من جهته أشار الأستاذ محمد يوسف الي الإنتباه للمتغييرات المناخية والسيول والأمطار التي حدثت في العام 2024م مثل السحابة السوداء التي لم تحدث منذ نحو (50) عاماً والتي تسببت في هطول أمطار بمعدلات غزيرة ، وفي المقابل تسألت الدكتورة نعمات كوكو عن تكوين جمعيات بالجزيرة ، بينما شددت الدكتور إيمان أحمد علي ضرورة تكوين جمعيات تعاونية للمزارعين وكشفت عن تقرير لهم بصدد نشره قريباً خاص بتضمين النازحين في السودان لاسيما النساء خاص بدعمهن للانتاج وكسب سبل العيش ،وفي رده علي أسئلة المتداخلين في المؤتمر : قال الأستاذ عبد الروؤف ان مواجهة تداعيات خطر المتغييرات المناخية لاتقل عن الحرب الحالية وهو ما يتطلب بذل المزيد من الجهود في ظل الهشاشة التي يعاني منها السودان في ظل التحديات وشواهدها العديدة مثل السحابة السوداء وأضاف المتغييرات المناخية تتطلب إنعقاد ورشة خاصة بها لمعرفة خطرها ووضع التحوطات الضرورية ، وبشأن الجميعات أشار مقرر التحالف إلي وجود جمعيات بعدد من أقسام مشروع الجزيرة والمناقل مثل قسم ود حبوبة والمسلمية وغيرها.
الخاتمة:(من المحرر)
إن إنقاذ الزراعة في السودان، وفي مشروع الجزيرة والمناقل على وجه الخصوص، لم يعد ترفًا تنمويًا أو بندًا مؤجّلًا في خطط ما بعد الحرب، بل هو معركة حياة ووجود، فكل يوم يتأخر فيه السلام وإعادة الإعمار، تفقد الأرض ذاكرتها الإنتاجية، ويفقد المزارع صلته بالأمل، وتبتعد البلاد أكثر عن قدرتها على إطعام نفسها بنفسها، إن إعادة الاعتبار للزراعة تعني أولًا إعادة الاعتبار للإنسان: للمزارع الذي يحتاج إلى الأمن قبل البذور، وإلى العدالة قبل التمويل، وإلى سياسات تحميه بدل أن تهمّشه. وتعني كذلك ترميم مشروع الجزيرة والمناقل بوصفه مشروعًا وطنيًا جامعًا، لا مجرد مساحات للزراعة، بل كفضاء اجتماعي واقتصادي يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح الريف حقه في الحياة الكريمة، في خضم هذا الدمار، تظل الأرض قادرة على العطاء إن وجدت السلام، وتظل أيادي المزارعين قادرة على الزرع إن توقفت المدافع. فالحرب مهما طالت لا تستطيع اقتلاع الجذور، لكنها قد تقتل المواسم إن لم يُتدارك الأمر. من هنا، يصبح وقف الحرب، وحماية الزراعة، ودعم المزارعين، وإعادة تشغيل مشروع الجزيرة والمناقل، مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية، لا تخص السودانيين وحدهم، بل كل من يؤمن بحق الشعوب في الغذاء والحياة والكرامة، إن مستقبل السودان يبدأ من حقله، ومن قناة ري تعود لتجري، ومن فلاح يعود إلى أرضه دون خوف. هناك فقط يمكن للحياة أن تُستعاد، وللأمل أن يُزرع من جديد، وللوطن أن ينهض من بين الركام(يتبع)

