السبت, فبراير 21, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةميرغني أبشر :كمبالا ومسار الإفلات: لماذا تحرك البرهان خارج مظلة الرباعية؟

ميرغني أبشر :كمبالا ومسار الإفلات: لماذا تحرك البرهان خارج مظلة الرباعية؟

ليس ثمة حدثٌ أكثر تأثيراً في الساحة السياسية السودانية خلال هذه اللحظة من الزيارة التي قام بها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو رفقة قيادات تأسيس إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، وهي زيارة تجاوزت معناها الدبلوماسي المباشر لتصبح حدثاً سياسياً كاشفاً، أعاد ترتيب أولويات المشهد، وألقى بظلاله على ما كان السودانيون ينتظرونه من مخرجات اجتماعات مجلس الأمن الدولي، وعلى مسار التنسيق بين المجلس والرباعية الدولية بشأن وقف الحرب.

أول ما كشفته هذه الزيارة هو الانهيار الكامل للرواية التي ظلت تروجها منصات إعلامية مقربة من نظام الخرطوم، والتي قامت على الإيحاء بعدم وجود قائد قوات الدعم السريع، أو مقتله خلال العمليات العسكرية. لقد نسفت هذه الزيارة تلك الرواية من أساسها، وأعادت تشكيل وعي المتابعين بحقيقة المشهد، وأظهرت حجم التوظيف السياسي للإعلام في إدارة الحرب النفسية، وفي توجيه الإدراك العام نحو استنتاجات تخدم استمرار المعركة.

هذا التحول وضع الإعلام المقرّب من السلطة في مأزق واضح، إذ انتقل من مرحلة الإنكار إلى مرحلة التفسير، محاولاً التقليل من أهمية الزيارة، أو تقديمها في إطار محدود، باعتبارها محاولة لرفع المعنويات أو تحركاً معزولاً عن السياق الإقليمي. غير أن الوقائع التي صاحبت الزيارة، والتصريحات التي صدرت خلالها، منحتها بعداً مختلفاً، وربطتها مباشرة بمسار الوساطة والتفاوض. فقد جاءت الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تصاعد التنسيق بين الرباعية الدولية ومجلس الأمن الدولي، ومع اقتراب هذا المسار من إنتاج إطار دولي ملزم لوقف الحرب، يمهد الطريق أمام عملية سياسية انتقالية تحت مظلة الأمم المتحدة.

في هذا الإطار، كشفت الزيارة بصورة مباشرة ارتباك نظام الخرطوم، ومحاولته فتح مسار تفاوضي موازٍ بعيداً عن مسار الرباعية، بعد أن أدركت قيادته، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، أن المسار الجاري حالياً قد يفضي إلى تسوية سياسية لا يجد فيها التيار الإسلامي، الذي شكّل العمود الفقري للسلطة خلال العقود الماضية، أي موقع مؤثر داخل بنية الحكم القادمة.

لقد أصبح واضحاً أن التنسيق الجاري بين الرباعية ومجلس الأمن لا يهدف فقط إلى وقف العمليات العسكرية، وإنما إلى تأسيس مرحلة سياسية انتقالية ذات طبيعة مدنية، تقوم على ترتيبات جديدة للسلطة. وهي ترتيبات يدرك البرهان والتيار المرتبط به أنها تنهي قدرتهم على الاستمرار في الإمساك بمفاصل الدولة بالصورة التي كانت قائمة قبل الحرب.

إن إدراك هذه الحقيقة هو الذي دفع قيادة الخرطوم إلى البحث عن مسار تفاوضي آخر، عبر الوساطة التي قادها الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في محاولة للوصول إلى صيغة لوقف الحرب تتيح للنظام الاحتفاظ بموطئ قدم داخل المرحلة الانتقالية، وتمنح البرهان والمؤسسة العسكرية ومن خلفهم التيار الإسلامي فرصة البقاء كطرف فاعل في مستقبل السودان السياسي.
وقد جاءت تصريحات قائد قوات الدعم السريع لتكشف أن هذه الوساطة لم تكن مبادرة منفصلة، وإنما جاءت استجابة لطلب من قيادة الخرطوم نفسها. وهو ما يوضح أن النظام، الذي ظل يقدم نفسه في موقع الرافض للتفاوض ضمن شروط الرباعية، كان يسعى في الواقع إلى فتح قناة تفاوض بديلة، تتيح له قدراً أكبر من التحكم في شروط التسوية.

إن هذا التحرك يعكس إدراكاً عميقاً داخل بنية السلطة في الخرطوم بأن المسار الدولي الجاري تحت مظلة الأمم المتحدة يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل التيار الإسلامي، لأن أي تسوية تخرج من هذا الإطار سوف تقوم على ترتيبات انتقالية جديدة، تستند إلى دعم دولي واسع، وتفرض واقعاً سياسياً مختلفاً عن الصيغة التي حكم بها السودان خلال العقود الماضية.

الأكثر أهمية أن هذا المسار، سواء انتهى إلى قرار رسمي من مجلس الأمن أو لم ينته، قد حقق بالفعل نتيجة استراتيجية، وهي توفير غطاء دولي واسع يمنح الولايات المتحدة والقوى الفاعلة القدرة على التحرك استناداً إلى شرعية سياسية مستمدة من الإجماع الدولي. وهو ما يفتح الطريق أمام فرض تسوية تنهي الحرب، وتحدد ملامح المرحلة الانتقالية وفق توازنات جديدة.
هذا الواقع هو الذي دفع البرهان ومن خلفه التيار الإسلامي إلى محاولة فتح مسار الوساطة الأوغندية، سعياً للوصول إلى اتفاق لوقف الحرب بشروط توفر لهم حضوراً داخل المرحلة الانتقالية، وتمنح المؤسسة العسكرية دوراً مؤثراً في إدارة هذه المرحلة، وتمنع خروجهم الكامل من المشهد السياسي.

إن الهدف من هذا التحرك لم يكن وقف الحرب في حد ذاته، وإنما التأثير على طبيعة التسوية القادمة، وضمان أن تكون هذه التسوية نتيجة تفاوض يشاركون في تشكيل شروطه.

في هذا السياق، يمكن فهم إعلان الوساطة الأوغندية كخطوة اضطرارية فرضتها طبيعة التحولات الدولية، ومحاولة لخلق توازن تفاوضي جديد يمنح نظام الخرطوم فرصة إعادة التموضع، ويحول دون انتقال السلطة بصورة تقصي التيار الإسلامي بصورة كاملة.

كما كشفت هذه الزيارة التناقض الواضح بين الخطاب الإعلامي المقرّب من السلطة، الذي حاول التقليل من أهمية التحرك، وبين الواقع السياسي الذي أكد أن قيادة الخرطوم نفسها كانت تسعى إلى فتح هذا المسار، إدراكاً منها بأن المرحلة القادمة قد تشهد تحولاً جذرياً في طبيعة السلطة في السودان.
إن التحركات التي جرت في كمبالا تؤكد أن الأزمة السودانية دخلت مرحلة الحسم السياسي، وأن الصراع لم يعد محصوراً في الميدان العسكري، وإنما أصبح مرتبطاً بشكل أساسي بمسار التسوية الدولية، وبقدرة كل طرف على تأمين موقعه داخل النظام السياسي الذي سيتشكل بعد توقف الحرب.
بهذا المعنى، فإن الوساطة الأوغندية تمثل محاولة أخيرة من جانب البرهان والتيار الإسلامي المرتبط به، لضمان حضورهم داخل مستقبل السودان، في ظل واقع دولي يتجه نحو فرض تسوية سياسية شاملة، تنهي الحرب، وتفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية تقوم على توازنات جديدة للسلطة، وتضع نهاية لمرحلة سياسية امتدت لعقود.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات