حملت إلينا الأخبار أن دولة رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع، كامل إدريس، قد شدّ الرحال إلى سويسرا لقضاء عطلة عيد الفطر المبارك بجوار عائلته، عقب أدائه عمرة رمضان. وهنا لا أرغب في التعليق على دعواته الحماسية المتكررة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، في وقتٍ تنعم فيه أسرته بمشاهد لوتسرن وإنترلاكن الآسرة، ولا حسد في راحة. كما لا أود الوقوف طويلاً عند مسألة الانضباط الوظيفي لرأس الجهاز التنفيذي والمدني، وقد استبق عطلته الخاصة عطلة موظفي الدولة التي تبدأ الخميس القادم. غير أن ما يستحق التأمل حقاً هو جملة القرارات التي أصدرها مؤخراً، والقاضية بإقالة عدد من كبار مستشاريه وموظفيه، وحلّ مجالس شركات وهيئات حكومية، عقب لقائه المرتبك بعضو المجلس السيادي إبراهيم جابر.
هذه القرارات ليست عارضة ولا راتبة روتينية فقد تزامنت مع حالات تخلي «ميداني» شملت أسماء بارزة داخل صفوف الحركة الإسلامية، أعقبت قرار التصنيف الأمريكي للجماعة كتنظيم إرهابي، كما جاءت في توقيت لافت مع مبادرة جديدة صاغها بعض المدنيين، من قيادات حزبية سابقة كانت محسوبة على قوى التغيير، جلسوا بها إلى القيادات العسكرية في الخرطوم.
وهنا يبرز السؤال المركزي الذي يحاول هذا المقال تفكيكه: هل ثمة خيط ناظم يجمع هذه الوقائع المتلاحقة، أم أن الأمر مجرد تزامن عابر لا أكثر؟
من الواضح أن القرارات لم تُفاجئ المعنيين بها، إذ بدت ردود أفعالهم جاهزة الصياغة، محسوبة المفردات، وكأنها كُتبت سلفاً لتشيع انطباع الرضا عن تجربة المشاركة في إدارة الجهاز التنفيذي. وقد ألمحت وزيرة شؤون مجلس الوزراء إلى ما يشبه نصف اعتراف حين أشارت، ضمناً، إلى أن أسباب الإقالة لا تتعلق بالكفاءة المهنية. عند هذه النقطة يبدأ مشهد صراع النفوذ في الانكشاف على نحو مختلف عمّا كان متداولاً. فالتوصيف الذي ساد طويلاً بوجود جناحين، أحدهما داعم لرئيس الوزراء بإسناد من البرهان، والآخر يمثله الفريق إبراهيم جابر، اتضح أنه توصيف قاصر، إذ إن جوهر الصراع لم يكن سوى تنازع نفوذ بين شبكة الحركة الإسلامية المتموضعة حول كامل إدريس من جهة، والفريق إبراهيم جابر من جهة أخرى.
ويبدو أن القرارات التي ظلت قيد المعالجة السياسية، بين الجرح والتعديل، جاء قرار التصنيف الأمريكي ليحسمها نهائياً، ويعيد تشكيل ميزان القوة لصالح الفريق جابر، من دون حاجة إلى تسويات تجميلية أو ترميمات مرحلية. عندها بدا رئيس الوزراء أقرب إلى واجهة إجرائية للمشهد السياسي داخل أروقة سلطة الأمر الواقع، يوقّع القرارات أكثر مما يصنعها، ويُكافأ – على نحو رمزي لافت – بعمرة وعطلة فاخرة مدفوعة الكلفة، في لحظة سياسية تتطلب حضوراً لا غياباً.
وعلى الضفة الأخرى، ومع موجة قرارات الخارجية الأمريكية بتصنيف أفرع الإخوان المسلمين في عدد من الأقطار العربية كتنظيمات إرهابية، شرع عرّابو نظام الخرطوم من دهاقنة الإسلاميين في إعداد واحدة من مناوراتهم التقليدية التي اعتادوا اختبارها مع الزمن، أملاً في تبدّل الموازين الدولية. رهانهم هذه المرة معقود على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر القادم، وعلى احتمال تراجع الجمهوريين، خاصة في ظل التدافعات الداخلية التي فجّرتها الحرب التي شنها معسكر ترامب على إيران.
أما المناورة المقصودة فهي المبادرة المدنية التي أُعلن عنها أخيراً، بواجهة تسميات تبدو للناظر العجول بعيدة عن الإسلام السياسي وتنظيم الإخوان. غير أن ما فات على البرهان وحلفائه من دهاقنة الحركة الإسلامية أمران جوهريان: أولهما أن رموز هذه المبادرة معروفة المسارات السياسية لدى الفاعلين السودانيين، وأن انتقالهم بين المنصات لم يكن تحوّلاً فكرياً بقدر ما كان إعادة تموضع تحكمه حسابات نفعية خاصة. وثانيهما أن الفاعلين الدوليين والإقليميين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعودوا يتعاملون إلا مع المنصات السياسية والإنسانية التي اختبروا مصداقيتها خلال سنوات الأزمة السودانية، تلك الأزمة التي ظلت الحركة الإسلامية، بتعدد واجهاتها السياسية، أحد أبرز معوقاتها.
وهكذا، فإن تزامن الإقالات، والمبادرات الجديدة، والتحركات الدولية، وحتى العطلة السويسرية، لا يبدو مجرد مصادفة زمنية بريئة، وإنما يعكس لحظة إعادة اصطفاف قسري داخل بنية السلطة نفسها، حيث تتبدل الواجهات سريعاً بينما يظل الصراع الحقيقي دائراً حول سؤال النفوذ ومن يملك مفاتيح القرار في الخرطوم المضطربة والمترقبة.

