طبيعيٌّ جدًا، بعد ألف يومٍ ونيّفٍ استقطعتها الحرب من حياة السودان وأهله، مصحوبةً بآلة دعايةٍ جبّارة من المنتفعين، أن يُهلِّل زُمَرُ المسطَّحين والمغيَّبين، شحنًا بخطاب الكراهية، لـ«مسافنات» برهانهم ودولة رئيس الوزراء كامل إدريس، لستّات الشاي في شوارع مدن الخرطوم الثلاث، واهمين أنفسهم قبل زُمَرهم، بأن: هيا تعالوا افتحوا المتاجر، والمدارس، ودكاكين الأقمشة، في محاولاتٍ آسفة لتكريس واقع التعايش مع الحرب، يستبطن ذلك اللاسلام، حتى ولو كان ثمن استمرارها تفتّت السودان وانقسامه.
ولا يضرّهم، بهذا النهج، أن تحيا إمارة، وتنهض فقط على مثلث حمدي، تُسبِّح بإسلامهم السياسي، وتحمد بهيمنة فسادهم، واستمرار مصّ ما تحت تراب الإمارة وفوقه، حتى لا يعفوهم ذوق دماء من قتلوا وقُبروا بسنّ حربهم.
هكذا جلّهم يتمسكون بأهداب دولةٍ ما تبقّى فيها من رسم الدول، إلّا شوارعها البائسة، وبنابر القهوة فاقدة التصديق والرقابة الصحية. وقد سبقهم في ذلك لوثة وزيرهم الناعق الممحون، الأعيسر، وبأفعالهم الطفولية هذه يصرخون: إنهم وزراء في دولة يجهدون في أن يقيموها وهمًا وقهرًا.
ففي زمنٍ تتفكك فيه الدولة تحت ضغط الحرب والجوع والفقر، يظهر وزراء حكومة بورتكيزان بسلوكياتٍ تثير الريبة والاستهجان معًا.
قبلاً، نصبَ الأعيسر دميةً لحميدتي، وجمع الناس لرجمها، كما لو كانت طقسًا شعائريًا.
ثم لاحقًا: شيّد تمثالًا للبرهان، بتكلفة ثلاثمائة ألف دولار، في لحظةٍ يتساقط فيها الناس جوعًا، وقد أزالوه خجلًا بعد أن ضحك فيهم الناس.
هذه السلوكيات لا يمكن تفسيرها بقرارات سياسية مجردة؛ إنما هي أفعالٌ تفتح الباب أمام قراءةٍ نفسيةٍ عميقة.
فالأعيسر ودولة رئيس الوزراء يُجسّدان أولًا ملامح النرجسية المرضية، التي تجعل صاحبها محتاجًا بصورةٍ دائمةٍ للفت الأنظار. هنا يصبح الظهور الإعلامي ضرورةً نفسية لا يمكن التخلي عنها، ويتحوّل الفعل الرمزي – سواء كان تمثالًا أو دمية أو طوافًا في أزقّة بحري – إلى وسيلة لإشباع هذا الجوع الداخلي للاعتراف.
ويتشابك هذا مع اضطراب الشخصية النرجسية، الذي يتميّز بالشعور المبالغ فيه بالفرادة، وبالاعتقاد بأن للفرد دورًا تاريخيًا يسمح له باتخاذ قراراتٍ تتجاوز الواقع واحتياجات الناس. فغياب التعاطف الواضح، حين تُنفق أموال الدولة على استعراضاتٍ رمزية وسط الألم الجماعي، يكشف جوهر هذا الاضطراب دون مواربة.
ويتعمّق المشهد مع هوس العظمة؛ الإيمان بأن الرموز الضخمة – كالتماثيل – ليست مجرد أعمال فنية، بل تجسيدٌ لقوةٍ متخيَّلة يريد الوزير أن يربطها بصورته ودوره. ففي الميغالومانيا، تصبح الضخامة المادية دليلًا على المكانة النفسية التي يتوهّمها صاحبها، ويتحوّل المال العام إلى مادةٍ خام لبناء سرديته الذاتية.
ومن هنا ينزلق السلوك تلقائيًا إلى محاولة صناعة عبادةٍ شخصية؛ إذ تُستخدم الدمى والتماثيل والطقوس الجماهيرية لتشكيل انفعالات الناس وتوجيهها، وكأن الوزير يسعى لتكوين حضورٍ فوق سياسي، حضورٍ رمزيٍّ يعلو على الألم اليومي للمواطن.
لكن خلف هذا الصخب تختبئ حالةٌ أخرى لا تقل أهمية: سلوكٌ تعويضيٌّ ناشئ عن عقدة نقصٍ مكبوتة. فالفرد الذي يشعر داخليًا بالهشاشة أو بانعدام القيمة، يسعى لبناء عالمٍ ضخمٍ من الرموز، كي يثبت لنفسه – قبل الآخرين – أنه مهم، وأنه صاحب تأثيرٍ عظيم.
وهكذا تصبح التماثيل وسيلةً لحماية صورةٍ داخليةٍ متصدعة، ويغدو الجمهور مسرحًا لإشباع هذا العجز المقنّع بالعظمة.
بهذا المعنى، فإن سلوك الأعيسر وكامل إدريس ليس استثناءً ولا حالةً سياسيةً بحتة؛ بل هو تجسيدٌ حيٌّ لمزيجٍ من النرجسية المرضية، واضطراب الشخصية النرجسية، وهوس العظمة، وصناعة العبادة الشخصية، والسلوك التعويضي عن عقد النقص.
كلها تتداخل لتنتج شخصياتٍ تحوّل الألم الوطني إلى استعراضٍ بصريّ، وتجعل الرموز، والطواف، ومخاطبة العامة بديلًا عن المسؤولية، وتجمعات ستّات الشاي بديلًا عن جماهير الدولة.
وهكذا يمضي دولةُ رئيسِ الوزراء:
يجوب الأسواق المغلقة، يناشد المنتظرين لا أصحابها بفتحها، في بلاهةٍ لا تقل عن بلاهة وزيره؛ يستأنس بمجالسي «ستّات الشاي» من المحرومين، الذين سُدّت في وجوههم أبواب المهجر، بديلًا عن شعب البلاد.

