كتب: حسين سعد
لم تعد الهجرة من الريف إلى المدينة مجرد خيارٍ شخصي لتحسين الدخل، بل تحولت منذ التسعينات إلى ظاهرة إجتماعية مقلقة تهدد تماسك البنية الريفية ذاتها. فالمزارع بالجزيرة، الذي كان يومًا مرتبطًا بالأرض إرتباط الروح بالجسد، بدأ يشعر بأن هذه الأرض لم تعد تعطيه ما يستحق، وأن جهده المتواصل لم يعد يثمر حياة كريمة، ضعف الدخل، وإرتفاع تكاليف المعيشة، وغياب الخدمات الأساسية مثل التعليم الجيد، والرعاية الصحية، وفرص العمل غير الزراعية، جعلت الريف بيئة طاردة بدل أن يكون موطنًا للحياة والإستقرار، وفي العام 2025م كتبت تقرير صحفي في موقع سودانس ريبورتس الذي يترأس تحريره الزميل فيصل الباقر تحت عنوان (الجزيرة ..من أرض المحنة الي حقول الموت) إن أرض التي تحتضن شيخ المشاريع الزراعية، تحولت (حواشاتها) من الإنتاج الي حقول الموت، في كل من ود النورة والولي، والحصاحيصا وأزرق والسريحة وأبوعشر وأم دقرسي والهلالية ،والبشاقرة شرق والتكينة ورفاعة واللعوتة الحجاج، وقوز الناقة وأبوقوتة،والمحريبيا وسليم وأبوشنيب ،وقري الحلاويين والفوار،وودعشيب والعيدج،وبانت ورفاعة،وقراها، وقري ريفي وداروة حتي أم ضوابان في الحدود مع ولاية الخرطوم، وود أبو صالح ،ومدني والحوش وقراها وجنوب الجزيرة،جاءت قوات الدعم السريع حامله رصاص الموت علي القري الأمنه يمزقون الصمت بأصوات الرصاص،وأزيز المدافع، وصراخ الضحايا لا يفرق رصاصهم بين صغيراً، أو كبيراً ،رجل أو امرأة،أوطفلاً حينها سألت دماء الأبرياء علي رض المحنة، كأنهار من الحزن تروي عطش الجزيرة، من دموع المظلومين حتى تحولت طرقات قرى، ومدن شيخ المشاريع الزراعية الي مسرح للدماء والموت والقبور الجماعية، وأشتدت الهجمات علي الجزيرة التي نفذتها قوات الدعم الرسيع عقب إنضمام كيكل الي القوات المسلحة في أكتوبر 2024م حيث كانت أكثر عنفاً ،وشهدت إنتهاكات فظيعة لحقوق الانسان شملت القتل والإعتقال والإغتصاب، والنزوح القسري للقري والمدن،لكن شرق الجزيرة كانت أكثر القري، والمدن التي شهدت إنتهاكات فظيعة حيث هجرت قري بكاملها ونهبت ممتلكات أهلها كما شهدت منطقة السريحة،والتكينة واللعوتة الحجاج، وأزرق بمحلية الكاملين هجمات عنيفة سقط خلالها عشرات الضحايا فضلاً عن إعتقال المدنيين وحبسهم لفترات طويلة .
أسباب الهجرة الريفية:
الهجرة ليست مجرد قرار اقتصادي، بل هي إنعكاس لخلل هيكلي في منظومة التنمية، عندما تُهمل الحكومات الريف وتُركز استثماراتها في المدن، تتقلص فرص المزارع وأبنائه في التطور المهني والاجتماعي. المدارس في القرى غالبًا متواضعة، والمراكز الصحية نادرة، والبنية التحتية مهترئة، هذه البيئة تخلق شعورًا بالعجز واليأس، وتجعل الشباب الريفي يرى في المدينة وعدًا بالحياة الكريمة، حتى وإن كان الثمن ترك جذوره وتاريخه وراءه، إن نزيف الأيدي العاملة الزراعية من القري بالجزيرة لا يفقد الحواشات فقط سواعدها، بل يضعف النسيج الاجتماعي ذات، فعندما يغادر الشباب، تترمل الحقول وتشيخ القرى؛ تتراجع الأنشطة الاجتماعية، وتخبو روح التعاون، وتتحول البيوت القديمة إلى أطلال صامتة، في المقابل، تتكدس المدن بالعمالة الهامشية، ويزداد الضغط على الخدمات العامة، ما يعمّق الفجوة بين المركز والأطراف، وهكذا تصبح الهجرة الريفية جرحًا مزدوجًا: استنزافًا للريف، وتورمًا غير متوازن للمدن، لذلك إن استمرار هجرة المزارعين يعني تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، واعتمادًا أكبر على الاستيراد، وهو ما يضعف الأمن الغذائي ويزيد هشاشة الاقتصادات الوطنية أمام تقلبات الأسواق العالمية، فالأرض التي تهجر تفقد خصوبتها، والمعرفة الزراعية التي تراكمت عبر أجيال تضيع مع أصحابها فلا تنتقل الخبرة إلى الجيل الجديد. إنها خسارة مزدوجة: خسارة مورد، وخسارة ذاكرة.

كيفية استعادة الحياة في القري:
الحل لا يكمن في منع الهجرة قسرًا، بل في جعل البقاء خيارًا مجزيًا، عندما يُعاد الاستثمار في القرى، وتوفر بنية تحتية متطورة، ومدارس مؤهلة، ومراكز تدريب حديثة، وقتها يشعر الشاب بأن مستقبله يمكن أن يُبنى في قريته لا في أحياء المدينة المزدحمة، عندها فقط تتوقف الهجرة وتبدأ العودة الطوعية، فإحياء القري بالجزيرة ليس مشروعًا زراعيًا فقط، بل مشروع إنساني لإعادة التوازن بين الأرض والإنسان، بين الجذور والطموح، قري وكنابي الجزيرة كان نموزج متماسك من التعاون والعلاقات الأسرية والاقتصاد التضامني، لكنهه يشهد اليوم تصدعًا متدرجًا في بنيته الاجتماعية، هذا التدهور لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال، وغياب السياسات التي تدعم استقرار المجتمعات والأسرة الريفية، التي كانت وحدة الإنتاج والاستهلاك معًا بدأت تفقد دورها الموحد؛ الأب لم يعد قادرًا على ضمان حياة كريمة من الزراعة، والأبناء لم يعودوا يرون في الأرض مستقبلهم، فضعف الرابط الذي كان يجمعهم حول الحقل والبذرة والمواسم، وأتذكر ونحن أطفال في الجزيرة كانت المجتمعات الريفية تقوم على التضامن والتكافل، حيث يتعاون الجيران في الزراعة والحصاد، ويتشاركون في الأفراح والمحن، اليوم، ومع الحرب الكارثية تراجع الدور الاقتصادي للزراعة، تلاشت تلك الروح تدريجيًا، حلّت الفردانية محل الجماعة، وأصبحت المصلحة الشخصية تتغلب على المصلحة العامة، غاب دكات التعاون والطاحونة وتراجعت التعاونيات الزراعية ، والمناسبات الاجتماعية فقدت معناها الأصيل، والأرض لم تعد مركز الهوية الاجتماعية كما كانت، إن ما يتآكل هنا ليس فقط نمط حياة، بل منظومة قيم متوارثة كانت تشكل أساس الاستقرار الاجتماعي والروحي للريف ، وفي وقت سابق قالت الدكتورة بخيتة محمد عثمان ان الحرب دمرت مايزيد عن (65%) من القطاع الزراعي بجانب نزوح عدد كبير من المزراعيين والمزارعات من مناطق الإنتاج، مبينة إنها عطلت سلاسل الإمداد بجانب نقص المدخلات الزراعية من الوقودو البذور، والأسمدة بالإضافة لفقدان المواسم الزراعية،وأكدت أن الحرب تسببت في خروج (3)مليون فدان الأراضي الزراعية، ودخول أكثر من (800)ألف مزارع في دائرة العوز الغذائي،وأردفت قائلة هذا يعني أن الحرب ألغت بظلال قاتمة على القطاع الزراعي في السودان كقطاع حيوي، يمثل العمود الفقري للإقتصاد في السودان،وأضافت تشير التقديرات إلى نحو(80%) من القوى العاملة في السودان تنشط في قطاعي الزراعة والرعي ويساهم القطاع بنحو (32،7) إلى (34%)من الناتج المحلي الإجمالي،وكشفت الخبيرة الإقتصادية عن حوجة السودان من (5) إلى (6) مليون طن من الحبوب لتغطية احتياجاته الغذائية ولكن الحرب احدثت فجوة غذائية واسعة قدرت بسببها عدد الجوع ب(26) مليون شخص بجانب تعطل الإنتاج في المنتجات الزراعية بالإضافة لتعطل النقل كما تعطلت الأنشطة المزراعية في كردفان ودارفور بسبب الحرب وتراجعت المساحات بالمزروعة بالمحصولات المطرية ب(14) مليون فدان بدلا عن (40) مليون فدان في العام 2022م ،وقالت دكتورة بخيتة محمد عثمان أن وزارة الزراعة قدرت خسائر القطاع ب(10) مليار دولار،كما كشفت الوزارة عن تدمير القطاع ونهب وتدمير الأصول الرأسمالية من معدات ميكانيكية وحركية، بالإضافة إلى تخريب كل محطات البحوث الزراعية حيث تعرضت وحدة الموراد الوراثية في مدني وبنك الجينات الرئيسي الذي يضم أكثر من (17) ألف مورد وراثي ومعمل بحثية التدمير،ولفتت إلى تدمير القطاع الغابي والبستاني وقالت الحرب أدت إلى تدمير القطاع الغابي بالقطع الجائر واستخدامها كوقود (يتبع)

