خالد كودي، بوسطن
لم يكن رحيل يسن حسن خسارةً شخصيةً لمن عرفوه فحسب، بل كان فقدًا فادحًا لجبال النوبة، وللسودان بأسره. لقد فقدت البلاد ثائرًا إعلاميًا، ومصورًا فوتوغرافيًا استثنائيًا، وصوتًا بصريًا كان يلتقط جوهر اللحظة في قلب العاصفة. سيغيب يسن عن ثورة السودان الجديد، وسيغيب عن رفاقه الذين صنعوا معه المعنى تحت القصف، ولن تكون الأراضي المحررة عامة وكاودا علي وجه الخصوص—بذاكرتها وأمكنتها ووجوهها—كما كانت دون حضوره.
في عام 2014، وفي قلب الجغرافيا التي كانت ولا تزال تُعرَّف بوصفها “أراضي محرّرة”، التقيتُ يسن لأول مرة في معهد يوسف كوة مكي لتدريب المعلمين في كاودا. كان المكان نفسه نصًا حيًا عن التناقض: مشروع يبني العلم والمعرفة في مواجهة مشروع يستهدفها. منذ عام 2011، ظلّ المعهد تحت القصف، وتحوّلت قاعاته إلى شواهد على العنف—جدران مثقوبة، وأسقف متصدعة، وفضاءات تعليمية تُقاوم بجد الفناء.
في هذا السياق، لم يكن يسن مجرد عنصر ضمن طاقم أو مساعدًا إداريًا أو حتى مسؤولًا لوجستيًا، بل كان، في جوهره، حلالًا للعُقد، ومحرّكًا للأحداث بثوريته المعهودة. منذ اللحظة الأولى، برز كقوة فاعلة قادرة على تحويل الخراب إلى ممارسة يومية للمقاومة. أصبح رفيقًا أساسيًا في كل ما قمت به من ورش ومشاريع فنية وتعليمية، وبرامج بناء القدرات في كاودا عبر السنوات؛ لم يكن حضوره تقنيًا فقط، بل كان فكريًا ووجدانيًا، يشارك في صياغة الأفكار، ويجادل فيها بحماس، ويعيد ترتيب المستحيل حتى يغدو ممكنًا.
كان يسن لا يُوقفه شيء ولا يُثنيه أحد. ولعل تعبير “يركب رأسه” لم يُخلق إلا لوصف هذه الحالة الفريدة من العناد الخلّاق—عناد لا يستسلم لسلطة، ولا لظرف، ولا حتى للمنطق أحيانًا كثيرة! كم من مرة قصدنا إنجاز معاملة بعد ساعات العمل، فيصرّ أن نذهب فورًا، يمتطي دراجته “الموتر”، ونطرق الأبواب حتى تُفتح، ولا نغادر إلا وقد أنجزنا ما أردنا—وقد ننتهي بكوب شاي أو قهوة، وجبة ان حان وقتها، أو بلحظة إنسانية عابرة تُختزن في الذاكرة. لم يكن يعترف بالانتظار، ولا بالبروتوكول، سواء كانت حاجتنا عند حاكم، لو سكرتير، أو مدير، أو مسؤول، أو حتى عامل او مزازع بسيط—فالعالم عنده يُعاد ترتيبه وفق ضرورة الفعل، لا وفق تراتبية السلطة.
كان يسن ثائرًا في كل شيء، وفي كل ظرف. تماهى فيه الفنان—المصور الفوتوغرافي والسينمائي—مع الإعلامي، مع المناضل، والمتمرد بكل مايعني التمرد. هذا التداخل لم يكن تناقضًا هكذا، بل كان شرطًا لوجوده. معه، رأيت كيف يمكن للفن أن يتحول إلى أداة للنجاة، لا إلى ترف جمالي. في الورش، في معارض الميادين العامة التي أُقيمت رغم الحصار، وفي اللقاءات مع المجتمعات، كان يسن حاضرًا بوعي فطري حاد، وبقدرة نادرة على التقاط ما لا يُرى، ثم جعله مرئيًا، بل ومألوفًا
لم يكن ينفّذ المهام أيا كانت؛ كان يعيد تعريفها. كان يحمل في داخله بوصلة تشير دائمًا نحو الحرية، حتى وإن تجلت في صورة ما يسميه الآخرون عنادًا و “ركوب راس”. غير أن هذا “العناد” لم يكن سوى إيمانٍ عميق، غير قابل للمساومة—موهبة التمرد القلق- فيسن لايعجبه شيء الا مافي راسه! كان يمتلك قدرة استثنائية على تفكيك المستعصي علي طريقته، لا عبر التخطيط البارد، بل عبر حدس ثوري حاسم، واندفاع يكاد يكون جنونيًا. بالنسبة له، لم يكن الواقع معطى نهائيًا، بل مادة خام قابلة لإعادة التشكيل والمغامرة الغير محسوبة في الكثير من الأحيان!
وكان يسن كريمًا، على نحو نادر. كريمًا بوقته، بجهده، بما يملك، وحتى بأفكاره—المعقولة وغير المعقولة. نشأت بيننا علاقة تتجاوز العمل؛ علاقة أخوّة صادقة، كان فيها يسن أقرب إلى أخٍ أصغر، يجمع بين الوفاء والاندفاع، وبين خفة الروح وجرأة الفعل، وسأفتقده كالكثيرين غيري…
في عام 2014، وخلال حملة وقف القصف الجوي علي الاعيان المدنية التي نظمناها، برز دور يسن بوصفه فاعلًا مركزيًا في التوثيق البصري؛ كان يجوب المواقع بلا كلل، يلتقط الصور، ويسجّل اللحظة بوصفها شهادةً مُستبِقة لذاكرةٍ لم تُكتب بعد. لم تكن الكاميرا في يده أداةً محايدة، بل امتدادًا لوعيه الثوري وحماسته المتقدة، ومن خلال عدسته لم يكن يكتفي بالتسجيل، بل كان يعيد إنتاج الحدث، يمنحه معنى، ويؤمّن له البقاء في وجه النسيان.
ومنذ ذلك العام، واصل يسن حضوره المنتظم في ورش ومعارض “أصواتنا إعلامنا” الراتبة التي تشرفتُ بتنظيمها، وكذلك في برامج الفن التشاركي والإعلام الجماهيري، حيث شارك أسهم بفاعلية في إنتاج خطاب بصري واعٍ يتناول قضايا الثورة والحرية والمساواة والعدالة، والحفاظ علي البيئة والتعايش، ويواجه خطاب التشرذم، ويؤكد على حقوق إنسان الهامش في التعليم والصحة. وفي هذا السياق، رسّخ، بوصفه إعلاميًا، ممارسة التوثيق باعتبارها أداةً أساسية لحفظ الذاكرة الجماعية.
وبعيدًا عن مشاركتنا المشتركة مع الرفاق في تلك الفعاليات الموسمية التي عرّفتني به عن قرب، فإن ما يميّز يسن حقًا هو عمله الدؤوب كإعلامي مُوثِّق في سياق تاريخي بالغ الكثافة، مملوء بالأحداث والوقائع، وكثيرًا ما كان يتطلّب شجاعةً استثنائية، ومبادرةً حاسمة، وقدرةً على التواجد في لحظات الخطر قبل غيره. لقد مارس التوثيق لا بوصفه وظيفة، بل كفعل التزام ثوري، وكخيار أخلاقي يتطلب جرأة لا تتوفر إلا لدى من يمتلك حسًّا متميزًا وإرادة نادرة.
ظلّ يسن طاقةً لا تعرف السكون أو الخمول؛ يوثّق بإصرار لافت ويوما بعد يوم، مئات الأحداث، ويخلّف وراءه أرشيفًا ضخمًا يضم آلاف الصور ومقاطع الفيديو التي ترصد بدقة تفاصيل الحياة اليومية وتجارب المقاومة في الأراضي المحررة. لم يكن حضوره في تلك المواقع صدفة، بل كان فعل اختيار واعٍ، ينحاز فيه للحقيقة، ولحق الناس في أن تُروى قصصهم
إن تكريمه الحقيقي والمستحق لا يتحقق بالرثاء وحده، بل يستوجب تحركًا عاجلًا لجمع هذا الإرث، وصونه، وأرشفته ضمن إطار مؤسسي يضمن استدامته، بمشاركة رفاقه، والإعلاميين، والجهات الإعلامية الرسمية، وعلى رأسها مؤسسات الحركة الشعبية التي كان أحد أبنائها الهميمين. فالأرشيف الذي تركه ليس ملكًا فرديًا، بل هو ثروة قومية وذاكرة جمعية ينبغي حمايتها، وسيأتي يوم يُدرك فيه الجميع أن ما وثّقه يسن يتجاوز حدود الصورة، ليغدو سجلًا تاريخيًا نادرًا لا يُقدّر بثمن، يؤسس لوعي جديد ويعيد كتابة الحكاية من موقع أهلها.
ومع كل ذلك، لم يكن يسن شخصية سهلة القراءة. خلف هذه الطاقة الثورية، كان هناك قلق عميق، وتوتر داخلي لا يهدأ، ومزاج متقلب يعكس حساسية مفرطة تجاه العالم. في هذا، كان الرفيق يسن فنانًا حقيقيًا—يعيش التجربة بكثافتها القصوى، ويتأثر بها حتى حافة الانفجار. كان يرى أكثر مما ينبغي، ويحمل أكثر مما يحتمل. ومع ذلك، وفي قلب هذا كله، ظلّ يحتفظ برقة نادرة—قلب كبير، ونبيل، يمنحه ذلك التوازن الإنساني الفريد بين القسوة والرهافة، بين الثورة والهشاشة والتمرد.
رحل يسن، لكنه لم يرحل كأي عابر. فقد حياته، واستشهد—كما آمن وفسّر—مناضلًا من أجل الحرية كما فسرها. ذهب وهو ممسك بكاميرته، كأنها سلاحه الأخير، أو لغته الأخيرة في مواجهة عالم لا ينصت إلا للصورة.
وداعًا يسن حسن…
لقد كنت فقدًا كبيرًا لكل من عرفك، ولجبال النوبة التي احتضنتك، ولسودانٍ كان بأمسّ الحاجة إلى عينيك.
ستفتقدك الثورة، وسيفتقدك الثوار، وستبقى كاودا أقلّ إشراقًا بدونك.
لم تكن مجرد شاهد على اللحظة—كنت أحد صُنّاعها.
ولم تكن فقط مصورًا للحياة تحت القصف—كنت حياةً تُصرّ على أن تُرى، رغم القصف.
فالترقد روحا وجسدا في سلام.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

