الإثنين, يناير 19, 2026
الرئيسيةمقالاتوصال بله تكتب : هي الروح… أو حين يتكلم الوطن من جراحه

وصال بله تكتب : هي الروح… أو حين يتكلم الوطن من جراحه

ليست الروح شيئًا يرى لكنها تعرف حين تنزف الأوطان
هي ذلك الخيط الخفي الذي يشد الإنسان إلى ترابه إلى ذاكرته الأولى إلى اسمه حين كان بلا خوف
وحين نتحدث اليوم عن السودان فإننا لا نتحدث عن جغرافياً بل عن روح مثخنة عن وطن يتكلم بصوت مبحوح من تحت الركام.
السودان اليوم ليس كما كان السودان اليوم ليس بخير
السودان اليوم بلد أنهك بالحرب جرد من أبسط مقومات الحياة نزحت سكانه وقطعت عنهم المياه والدواء والخبز والأمان.
مدن تحولت إلى أشباح وقرى أحرقت وأطفال كبروا فجأة على صوت المدافع دون المدارس وأمهات تعلمن عد الغائبين بدل عد الأحلام.
هذه ليست مجرد حرب
إنها مأتم مفتوح ويتم جماعي ومحرقة بطيئة لشعب كامل ودولة بأكملها.
في هذا الخراب تتعرى الأسئلة الكبرى:
أين الوطن واين المواطن؟
ومن الذي أوصلنا إلى هنا؟
إن الحديث عن الانتماء في هذا التوقيت ليس ترفًا فكريًا بل فعل مقاومة
الانتماء اليوم هو أن ترفض تطبيع الموت أن ترفض سرقة الوطن باسم الدين أو الأيديولوجيا الدينية الفاشلة أو الوصاية الأخلاقية
الانتماء هو أن تقول بوضوح: ما يحدث في السودان لم يكن قدرًا بل صنيعة بشر.
لقد كانت الحركة الإسلامية عبر عقود من التمكين والإقصاء وتديين السياسة وتفريغ الدولة من معناها الوطني وارتكاب جرائم ضد الإنسان السوداني.
أحد الأسباب الرئيسية في تفكيك السودان من الداخل
هي التي زرعت الانقسام وشرعنت العنف والكراهية والعنصرية وقدمت الولاء التنظيمي على الانتماء الوطني حتى صار الوطن مجرد غنيمة والشعب وقودًا لصراعات السلطة بأسم الدين أغلقت السياسة
وباسم الأخلاق فتحت أبواب الفساد
وباسم المشروع الحضاري ضاع الإنسان والسودان
وما نعيشه اليوم ليس إلا النتيجة الطبيعية لذلك المسار: دولة ضعيفة جيش منقسم مجتمع منهك وسلطة تتغذى على الفوضى.
لكن وبرغم هذا السواد الكثيف والظلام الدامس لا تزال الروح حية
تظهر الروح في صمود الناس في لجان المقاومة في أصوات المدنيين التي لم تصمت في الإيمان العميق بأن السودان يستحق دولة جديدة لا تبنى على الغلبة بل على التوافق لا على الإقصاء بل على الشراكة الحقيقية
من هنا تبرز الحاجة التاريخية إلى حكومة وحدة وسلام حقيقية لا تدار كصفقة بل كمشروع سلام شامل حكومة تؤسس على الاعتراف بالجراح وعلى العدالة والمساواة والشفافية وإعادة بناء الدولة من جذورها
حكومة تمهد لتأسيس جديد لتحالف وطني واسع
تحالف يعيد تعريف الدولة ويستعيد معنى الوطن
هذا التحالف ليس شعارًا بل ضرورة لإنهاء الحرب
ضرورة لإخراج السلاح من السياسة
ضرورة لإعادة الروح إلى السودان
إن السلام لا يمنح بل يصنع
والوطن لا يستعاد إلا حين نملك الشجاعة لنقول الحقيقة كاملة بلا مواربة: ما حدث للسودان جريمة سياسية وأخلاقية ولن يشفى إلا بقطيعة واضحة مع أسبابها ومع من صنعوها ومحاسبة مرتكيبها
هي الروح…
روح السودان التي تنادي أبناءها:
إما أن نكون وطنًا
أو نظل جراحًا مفتوحة في ذاكرة التاريخ.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات