تقرير:السودانية نيوز
أكد رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، الأستاذ ياسر عرمان، أن الحرب الدائرة في السودان لن تفضي إلى بناء سودان جديد، محذرًا من أنها باتت مثقلة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب واستهداف ممنهج للمدنيين، الأمر الذي يهدد الأسس نفسها للعيش المشترك ووحدة البلاد ومستقبلها.
جاء ذلك خلال ورقة فكرية قدّمها عرمان في ندوة نظمها منبر آفاق جديدة للحوار الفكري، خُصصت لمناقشة مراجعات رؤية السودان الجديد واستجابتها للتحولات العميقة في الواقع السوداني، وذلك بعد مرور عشرين عامًا على رحيل مؤسس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق دي مابيور.
وشدد عرمان على أن ما وصفه بـ«الميلاد الثاني» لرؤية السودان الجديد يجب أن يستند إلى تجربة الحركة الشعبية بوصفها حركة تحرر وطني ديمقراطي، تحافظ على هويتها الثورية وروح المقاومة، وتنحاز بوضوح إلى قضايا المهمشين، مع إعادة الاعتبار لقضايا الريف السوداني ودوره المنتج، بعد عقود من التهميش والإقصاء.
وأوضح رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي أن مشروع الدولة السودانية القديم دمّر العلاقة العضوية بين الريف والمدن، وخلّف ملايين المهمشين، في مقابل استفادة نسبة لا تتجاوز ما بين 15 إلى 20% من السكان من موارد الدولة ومؤسساتها، بينما تعيش الأغلبية الساحقة تحت وطأة الفقر والتهميش، وهو ما يشكّل الوقود الحقيقي للحروب والنزاعات المتكررة.

وشدد عرمان على أن المدخل الحقيقي لمعالجة الأزمة الراهنة يبدأ بالاستجابة الجادة للكارثة الإنسانية وجرائم الحرب ومعاناة المواطنين، وضمان حقوقهم الأساسية في الحياة والأمن والغذاء والسكن والعلاج، ووقف الحرب فورًا. وأكد أن الإغاثة تسبق السياسة، وأن معالجة الكارثة الإنسانية تمثل المدخل الضروري لأي عملية سياسية متكاملة، داعيًا إلى وحدة قوى السودان الجديد وبناء جبهة واسعة مناهضة للحرب تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
واستعرض عرمان أطروحة فكرية ونظرية استندت إلى ورقته الصادرة في 20 سبتمبر 2017 بعنوان: «نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد: قضايا التحرر الوطني في عالم اليوم»، والتي تناولت 44 محورًا شملت الخلفية التاريخية والفكرية لتجربة الحركة الشعبية، وأسئلة المرحلة الراهنة، وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتحالفات، والمركز والهامش، والمواطنة بلا تمييز، إلى جانب قضايا المرأة والشباب والطلاب، وحق تقرير المصير، والكفاح المسلح، وإمكانية قيام اتحاد سوداني بين دولتي السودان شمالًا وجنوبًا.
وأكد عرمان أن رؤية السودان الجديد ما تزال حيّة وفاعلة، وتمثل الخيار الأجدى لبناء السودان والحفاظ على وحدته وسيادته، كما تشكّل أساسًا صالحًا لإعادة ربط دولتي السودان شمالًا وجنوبًا. غير أنه شدد على أن هذه الرؤية تحتاج إلى مراجعة عميقة وميلاد ثانٍ يستوعب دروس التجربة العملية والمتغيرات التي أعقبت رحيل الدكتور جون قرنق، ويجيب على السؤال الجوهري: لماذا فشلت الحركة الشعبية في تحقيق سودان جديد علماني ديمقراطي موحد؟، معتبرًا أن الإجابة الصادقة على هذا السؤال تمثل المدخل الحقيقي لتجديد المشروع.
وفي تقييمه لمسار الكفاح المسلح، أشار عرمان إلى أن زمن الكفاح المسلح القادر على إحداث تغيير جذري في السودان قد انتهى برحيل جون قرنق، موضحًا أن الحركات المسلحة تعاني اليوم من انسداد كامل في الأفق، وتوقفت عند حدود الاحتجاج واقتسام السلطة والثروة، دون القدرة على تقديم إجابات حقيقية لتطلعات الجماهير وتحسين ظروف حياتهم. وأضاف أن كثيرًا من هذه الحركات انعزلت كنخب تسعى للسلطة، وأن اتفاقيات السلام لم تُنتج نظامًا جديدًا، بل تحولت إلى مجرد اندماج في بنية النظام القديم. كما أشار إلى أن تجارب حركات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، رغم انتصاراتها، لم تنجح في بناء أنظمة تحقق العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
وجدد عرمان تأكيده أن الحرب الجارية لن تلد سودانًا جديدًا، لأنها قائمة على انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب واستهداف المدنيين، وتهدد جوهر العيش المشترك. وشدد على أن الميلاد الثاني لرؤية السودان الجديد يجب أن يعيد بناء حركة تحرر وطني ديمقراطي حقيقية، منحازة للمهمشين، ومهتمة بقضايا الريف والإنتاج، بعد أن دمّر مشروع الدولة القديمة التوازن بين المركز والأطراف.
وأكد أن التيار الثوري الديمقراطي يمثل حصيلة التجربة التاريخية لحركة السودان الجديد التي أسسها وقادها الدكتور جون قرنق، كما انحاز بوضوح إلى ثورة ديسمبر، التي اعتبرها امتدادًا لمسار طويل من الثورات السودانية بدأ بثورة 1924 بقيادة الزعيم علي عبد اللطيف قبل مائة عام. وأعرب عن ثقته الكاملة في قدرة الشعب السوداني، لا سيما الديسمبريات والديسمبريين، على هزيمة قوى الحرب وبناء سودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة بلا تمييز.

