د التوم حاج الصافي
ما كتبه خالد الإعيسر ليس مقالاً، ولا موقفاً وطنياً، ولا حتى اجتهاداً سياسياً خاطئاً؛ بل نص دعائي فجّ صادر عن رجل قرر أن يستبدل الحقيقة بالوظيفة، والضمير بالمنصب، والتاريخ ببيان علاقات عامة لسلطة مأزومة. الإعيسر لا يكتب بصفته وزير إعلام، بل بصفته شاهد زور رسمي، أُوكلت إليه مهمة واحدة: إعادة توزيع الدم بطريقة لا تُدين من في الحكم.
محاولة تحميل الاتفاق الإطاري مسؤولية إشعال الحرب ليست خطأ تحليلياً، بل تزوير متعمّد للتسلسل الزمني. الحرب لم تبدأ بورقة سياسية، ولم تُطلقها جملة في اتفاق، ولم تشعلها قوى مدنية لا تملك سلاحاً ولا معسكراً ولا دبابة. الحرب بدأت حين اختار العسكر إفشال أي انتقال مدني بالقوة، وحين انفلت سلاح ميليشيا صُنعت داخل الدولة، وتضخمت برعايتها، وتغوّلت بصمتها، ثم خرجت عن السيطرة. من يقفز فوق هذه الحقيقة إنما يهرب من الجريمة الأصلية.
وحين يتحدث الإعيسر عن “شريكهم حميدتي”، فإنه يمارس أقذر أشكال الكذب السياسي. حميدتي لم يكن شريك قوى مدنية، بل نتاج مباشر للمؤسسة العسكرية، ابنها غير الشرعي، وصنيعتها التي غذّتها بالرتب والشرعية والسلاح، ثم تباكت حين التهمها. كل خطوة تمدد فيها حميدتي تمت تحت أعين الجيش، وبموافقته، وبحساباته. محاولة رميه في حجر المدنيين ليست سوى محاولة لغسل يد ملطخة حتى المرفق.
أما استدعاء أسطوانة “الحافلة أمام منزل حميدتي”، فليس دليلاً بل فضيحة إضافية. من يملك دولة لا يحكي قصصاً، ومن يملك أدلة لا يلمّح، ومن يملك قضاء لا يلوّح. لماذا لم تُفتح بلاغات؟ لماذا لم تُقدَّم أسماء؟ لماذا لم يُحاسَب أحد؟ الإجابة واضحة ومخجلة: لأن من يلوّح بهذه القصة يعرف أنها كذبة أمنية، ويدرك أن أي محاسبة حقيقية ستقود إلى داخل السلطة التي يخدمها.
الأكثر انحطاطاً في خطاب الإعيسر هو ادعاء الغضب الأخلاقي. يتحدث عن الدم، لكنه لا يسمي من أراقه. يتباكى على الضحايا، لكنه لا يذكر من قصف المدن، ولا من انسحب وترك المدنيين، ولا من فتح مخازن السلاح، ولا من عطّل حماية الناس. ألف يوم من القتل والاغتصاب والتهجير، ولم نسمع من وزير الإعلام سوى صمت مريب، ثم فجأة اكتشف الأخلاق حين صار الدم أداة لتصفية الحساب مع المدنيين.
الإعيسر لا يريد وقف الحرب، لأن وقفها يعني سقوط الرواية التي تبرر وجود هذه السلطة. الحرب بالنسبة له ليست مأساة وطن، بل مورد سياسي، ومظلّة فشل، ووقود خطاب. لذلك لا يدعو للسلام، بل للثأر. لا يطالب بالعدالة، بل بالانتقاء. لا يخاطب ضمير الشعب، بل غرائز الخوف والكراهية.
وحديثه عن “من جاءوا ليحفظوا ما تبقى من الوطن” ليس فقط كذباً، بل إهانة سافرة لوعي السودانيين. الوطن لا يُحفظ بجيش ينسحب ويترك المدن تحترق. لا يُحفظ بإعلام يهاجم الضحية ويبرّئ الفاعل. لا يُحفظ بوزير يقسّم الناس إلى وطنيين وخونة وفق هوى السلطة. الوطن يُحفظ بالمساءلة، بالحقيقة، وبالاعتراف بمن تسبب في الكارثة.
الحقيقة التي يحاول الإعيسر دفنها بسيطة، فاضحة، ولا تموت:
لا حرب بلا عسكر، ولا ميليشيا بلا رعاية دولة، ولا دم بلا قرار سياسي، ولا إعلام شريف بلا شجاعة تسمية القاتل باسمه.
خالد الإعيسر لن يُذكر كوزير إعلام، بل كـموظف لحظة سوداء، استخدم اللغة لتبرير الفشل، والكذب لتأجيل المحاسبة، والمنصب ليقف في الجانب الخطأ من التاريخ. والتاريخ، مهما طال، لا يرحم من اختاروا أن يكونوا أبواقاً حين كان الوطن ينزف.

