وحدة الشؤون الأفريقية – مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: ألغت الحكومة الفيدرالية الصومالية التفاهمات والاتفاقات الأمنية–الدفاعية المرتبطة بموانئ بربرا وبوساسو وكيسمايو، بالتوازي مع اعتماد مسودة قانون لحماية السيادة والسلامة الإقليمية. ويعكس هذا القرار تحوّلًا مهمًا في مقاربة مقديشو لإدارة علاقتها مع الفاعلين الخارجيين، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة، كما يحمل تداعيات مباشرة على التوازنات الداخلية في الصومال وعلى أنماط النفوذ الإقليمي في القرن الإفريقي.
المعطيات:
في 12 يناير 2026، قرر مجلس وزراء جمهورية الصومال الاتحادية إلغاء جميع الاتفاقيات والتفاهمات الأمنية والدفاعية الثنائية الموقعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك خلال اجتماع ترأسه نائب رئيس الوزراء صلاح أحمد جاما. ويشمل القرار مختلف أشكال التعاون المرتبطة بموانئ بربرا وبوساسو وكيسمايو، الواقعة في أرض الصومال، وإقليم بونتلاند، وإقليم جوبلاند على التوالي.
أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون حماية السيادة والسلامة الإقليمية، الذي ينص على حظر إبرام أي اتفاقات بين الإدارات المحلية أو جهات خاصة مع أطراف أجنبية من دون موافقة وإشراف الحكومة الفيدرالية، بما يعزز مركزية القرار السيادي ويحدّ من أي ترتيبات خارج إطار الدولة.
برّرت الحكومة الصومالية القرار بوجود تقارير وأدلة على ممارسات عدّتها عدوانية تمسّ سيادة الدولة ووحدتها الوطنية واستقلالها، مؤكدة تمسكها بحقوقها السيادية الكاملة في إدارة أراضيها وموانئها وملفات الأمن والسياسة الخارجية.
في سياق متصل، قررت الحكومة الصومالية حظر جميع الرحلات العسكرية ورحلات الشحن التابعة لدولة الإمارات من عبور مجالها الجوي، مع استثناء الرحلات المدنية، وبدأ سريان القرار اعتبارًا من 8 يناير، رغم طلب أبو ظبي مهلة لمعالجة الخلافات القائمة.
خلفيات التصعيد:
يمثّل قرار الحكومة الفيدرالية الصومالية إلغاء الاتفاقيات والتفاهمات الأمنية–الدفاعية مع دولة الإمارات، ومنع استخدام عدد من الموانئ، خطوة استراتيجية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة الصومالية والفاعلين الخارجيين، وفي مقدمتهم الإمارات، عبر إعادة تثبيت احتكارها للقرار السيادي في ملفات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية وإدارة الموانئ، بعد سنوات من تآكل هذه الصلاحيات نتيجة اتفاقات أبرمتها إدارات محلية مع أطراف خارجية، أسهمت في إنتاج واقع سيادي مجزّأ وهددت وحدة الدولة الصومالية.
ويُعد ملف الموانئ نقطة الصدام المركزية في هذا السياق. فالموانئ المعنية بالقرار – بربرا وبوساسو وكيسمايو – تقع ضمن كيانات سياسية وإدارية مختلفة، ما يعكس، من منظور مقديشو، اعتماد الإمارات نموذج التعاقد عبر الأطراف المحلية لتجاوز القناة الفيدرالية. وقد حوّل هذا النموذج الموانئ من أصول اقتصادية وطنية إلى بوابات نفوذ سياسي–أمني تعمل خارج إشراف الدولة، وتضعف قدرتها على التحكم بممراتها البحرية وإيراداتها السيادية، فضلًا عن تغذية النزعات الانفصالية داخل الأقاليم.
ويرتبط التصعيد الصومالي كذلك بالتطورات في أرض الصومال عقب الاعتراف الإسرائيلي بها، إذ تعتبر مقديشو أي تعاون أمني أو اقتصادي مع هرغيسا مساسًا مباشرًا بوحدة الأراضي الصومالية. وترى الحكومة أن الانخراط الإماراتي الواسع في ميناء بربرا أسهم في تكريس واقع انفصالي، فجاء القرار بمثابة رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي تعامل مع سلطات الأمر الواقع في “صومالي لاند” من دون موافقة الحكومة الفيدرالية لم يعد مقبولًا. ويتزامن ذلك مع توترات إقليمية متصاعدة، تشمل الخلافات الخليجية المرتبطة بالملف اليمني، والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما رأت فيه مقديشو لحظة إقليمية مواتية لإعادة طرح خطاب السيادة ووحدة الدولة، في ظل دعم دولي متنامٍ لهذا المفهوم ورغبة متزايدة في تقليص أدوار الفاعلين غير الدوليين في القرن الإفريقي.
ويرتبط هذا التصعيد الصومالي، في بعدٍ أعمق، بعاملين جوهريين يتجاوزان الإطار السيادي المباشر. يتمثل العامل الأول في السياق السياسي الداخلي المرتبط بالتحضيرات لانتخابات الرئاسة المقبلة، وما يرافقها من تقديرات جدية بإمكانية استبدال الرئيس حسن شيخ محمود، حيث يسعى الخطاب السيادي المتشدد إلى تعزيز موقع السلطة التنفيذية وإعادة تجميع الشرعية الوطنية في مواجهة خصوم داخليين يتهمون الحكومة بالتساهل مع النفوذ الخارجي. أما العامل الثاني، فيتصل بإدراك مقديشو لمخاطر إدخال الصومال في تقاطعات الصراعات الإقليمية المتصاعدة حول القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ولا سيما في ظل التنافس الخليجي وتداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو ما ترى فيه النخب الصومالية عاملًا مضاعفًا لحدة الانقسامات الداخلية، ويهدد بتحويل الموانئ والأقاليم إلى ساحات استقطاب خارجي. ومن هذا المنظور، لا يقتصر القرار على إعادة ترتيب العلاقة مع الإمارات، بل يعبّر عن محاولة رمزية للقول بانها محاولة لتحييد الصومال عن صراعات المحاور، حتى وإن جاء ذلك على حساب رفع مستوى التوتر الداخلي في المدى القصير.
تداعيات القرار:
يمثّل القرار، من منظور الحكومة الفيدرالية، خطوة رمزية باتجاه إعادة مركزية القرار السيادي عبر تثبيت احتكار الدولة لملفات الدفاع والأمن والعلاقات الخارجية. وفي المقابل، يرفع هذا المسار احتمالات التوتر السياسي والمؤسسي مع الأقاليم المرتبطة بالموانئ، نظرًا لتباين أوضاعها القانونية والسياسية، كما يفتح المجال أمام تنافس واستقطاب خارجي جديد حول إدارة الموانئ في حال لم تُعاد هيكلة الشراكات ضمن إطار وطني جامع.
كما يضرب إلغاء الاتفاقيات الأمنية–الدفاعية أحد أهم عناصر النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي، والمتمثل في الربط بين تشغيل الموانئ وترتيبات أمنية مرافقة رغم ان الموانئ المقصودة لا تخضع لسلطة مقديشو. ورغم بقاء فرص الحضور الاقتصادي، فإن القدرة على حماية هذا النفوذ عبر صيغ أمنية ثنائية تتراجع بصورة ملحوظة. وفي حال إقرار قانون حماية السيادة وتطبيقه فعليًا، ستتقلص من الناحية الدبلوماسية قدرة الإمارات على المناورة عبر القنوات المحلية، ما يمسّ جوهر نموذج نفوذها غير المباشر في المنطقة. كما أن الصياغة السيادية الحادة للقرار، التي تتحدث عن “تقويض الاستقلال والوحدة”، تفرض كلفة سياسية ورمزية داخل الخطاب الرسمي الصومالي، وتُعقّد أي عودة محتملة عبر القناة الفيدرالية مع أبو ظبي من دون إعادة صياغة شاملة لإطار العلاقة بين الطرفين.

الخلاصة
الرسالة الأساسية الرمزية لمقديشو أن أي شراكة مع الصومال يجب أن تمر عبر الحكومة الفيدرالية، وبصيغة مدنية شفافة، ومن دون أبعاد أمنية مستقلة.
يعكس التصعيد انتقالًا من سياسة التعايش مع النفوذ الخارجي إلى سياسة إعادة مركزية الدولة ومنع شرعنة الأمر الواقع في الأقاليم.
يعزز القرار مركزية السيادة الصومالية، لكنه يرفع في المقابل مخاطر الاحتكاك مع الأقاليم وحالة عدم اليقين الاستثماري، مع احتمالات فجوات أمنية مؤقتة.

