“جوزيف ستافورد” دبلوماسي أمريكي، لا أعرف أين هو الآن بالضبط؟ وكيف بات يرى أهل السودان في هذا المنعطف من تاريخهم؟ وإلى أي مدى قد صُدِمَ فيهم هذا الرجل، الذي كان قائماً بأعمال السفارة الأمريكية بالخرطوم؟ فقد تجرأ هذا الدبلوماسي الأجنبي على وصف أهل هذه البلاد قولاً واحداً: “أنهم من أكثر شعوب الأرض وُدًا”.
لكن ترى ماذا يمكن أن يقول ستافورد عن السودانيين اليوم؟ بعد أن تباروا في إخراج أسوأ ما فيهم بوجه بعضهم البعض.. معبرين بلا هوادة عن روح عنصرية عالية، وعن حالة تباغض عنيفة، وعن تبادل مشاعر كره قوية.
بعد أن قدموا أنفسهم من خلال هذه الحرب، لهذه الشعوب ذاتها التي تباهى ستافورد بالسودانيين عليها، في أقبح صورة ما كان لهذا الرجل الدبلوماسي أن يتصورها.
فالكاتب الصحفي المصري أسامة سرايا كان قد لخص ما يجري في حرب السودان أيضاً بقوله: “ده صراع حيوانات، مش بني آدمين”.
لقد صدق سرايا، فقد اعترفت من قبل أن قلبي لا يقوى، وأن عينيي الغائرتين تهربان على ضعفهما، من شاشة هاتفي الذي تواطأ ضدي مع هؤلاء القتلة، الذين يتبارون ليل نهار في نقل صور فظيعة جداً إلى دماغي الصغير، الذي كاد أن ينفجر من رعب ما يرى يومياً.
بيد أني من هول ما كنت أرى، أكاد لا أصدق، بأن من أراهم يشحذون المدى لذبح ضحاياهم كالخراف، أو من يفلقون “بسواطير كبيرة” رؤوس قتلاهم إلى نصفين أو أكثر، قبل أن يلتهموا أكباداً وأحشاء بعضهم.
هم سودانيون كالذين كنت أعرفهم من قبل؟
فضلاً عن صور ومظاهر أخرى يبثونها تعكس فوق ذلك كله تلذذاً بالقتل من شأنه أن يتلف حتى أعصاب الجبال.
لقد ناشدت هؤلاء الجنود المجانين الذين يوثقون ويبثون مثل هذه المقاطع، طالباً ألا يسلطوا كاميرات هواتفهم على عوراتنا يومياً بهذه الطريقة الفجة الفاجرة.
قلت لهم قبل أن يظلم أسامة سرايا الحيوانات بتشبيهه لحربنا بصراعاتهم: دعوا هواتفكم تنام غريرة الشاشات، ريثما يرتوي من دمنا هذا الوحش الذي خرج على حين غرة من اجوافنا.
في الواقع أن وحشاً صغيراً ظل ينمو مع هذه الحرب باضطراد مذهل، داخل كل واحد منا، دون أن نشعر به، لكنه وحش في ظني سيأكلنا جميعاً أول ما يكل، ساعة أن يقوى وأن يتمدد ويكبر.
هو وحش مفترس يروج لتصوراته الخاصة حول المسافة بينك وبين غيرك، يجعلك ترى الدنيا ملونة بعينيه، لا كما هي على طبيعتها في الواقع، يزج بك إلى منطقة سوء الظن، يقوي هواجس خوفك من كل آخر ومن نواياه تجاهك.
يضعك في حالة تربص دائم، ليصبح إضمار الشرور المتبادل هو السائد، في حين يتقاصر ويتراجع لينحسر إحسان الظن بالناس، ومن ثم إحسان النوايا تجاههم.
للحقيقة فإن ما جناه أهل السودان بحق أنفسهم في هذه الحرب، ظل وسيظل أمراً محيراً للغاية.
فالحالة السودانية كانت قبل هذه الحرب، حالة ساحرة جذابة تعتري الناس والخلق وقت ما تعتري دون قيد أو شرط، تأسر الغريب بطيب المعشر، وتسع البعيد بسمح الطباع، سرت هذه الحالة بين الناس هنا، إلى أن صارت مزاجاً عاماً، لا يخضع لأي منطق، ولا يقبل القياس بأي معيار.
إذ إن شخصية السوداني عموماً كانت بنداوتها وطلاوتها، أقرب دائماً إلى السيولة والاندياح، لا إلى العنف والفظاظة والغلظة والتوحش.
وبطبيعة حاله كان السوداني، لا يعرف حدوداً بين الناس يقف عندها، ولا فواصل تقطع حبال وده الممتدة لكافة البشر من شتى بقاع الأرض، على اختلاف أوطانهم، وألوانهم، وأديانهم، وألسنتهم، ناهيك عن ذوي القربى من بني وطنه أو جلدته.
السؤال إذاً، من الذي تلاعب بإعدادات الشخصية السودانية، ليخرج من رحمها اليوم، كل هذا الكم الهائل من الوحوش الآدمية؟.
يقول الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي: إن الأزمة هي في هذه اللحظة التي يندثر فيها العالَم القديم، في حين يتأخر العالَم الجديد بالظهور.
ويصف غرامشي هذه اللحظة الإنتقالية بأنها لحظة “النور المظلم”، إذ كما قال: ما بين العتمة والضوء تولد الوحوش، لتقع العديد من الأخطاء والعذابات.
نعم.. هي وحوش تصنع عذابات يومية، تضعك تحت رحمة بشر عادي جداً لا يفوقك في شيء، بإمكانه أن يمنح ذاته تفويضاً يخوله أن يجري سكينه وفق هواه ومزاجه الخاص على رقبتك، فيجز عنقك، ليعبث بجمجمتك، يحركها باسماً يلوح بها مزهواً في الهواء، ممسكاً بشعيرات من ناصية رأسك المبتور مقبضاً، أو آخر يطأ بحذائه العسكري الثقيل عظام هامتك النخرة، أو مجنداً غيره يسلي طفله الصغير بدماغك المقطوع يلاعبه به.
فقط، تصور كيف كنا أو كان يرانا الناس، وإلى أي صورة اليوم صرنا؟.
ترى من الذين أخرجوا كل هذه الوحوش من بيننا، لتشويه صورتنا التي كانت زاهية وجميلة، ولتهديد أمن حياتنا واستقرارها، قبل أن ينغصوا علينا بالمرة، متعة عيشنا، وراحة بالنا؟.

