في تلك الليلة المشحونة على أرض المغرب، لم تكن كرة القدم مجرد مباراة نهائية، بل امتحانًا أخلاقيًا قاسيًا، سقط فيه كثيرون، ونجح فيه رجلٌ واحد… اسمه ساديو ماني.
ساديو ماني، اللاعب السنغالي الخلوق والمتواضع، لم يكن يحمل شارة القيادة، لكنه كان القائد الحقيقي بمعناها الأعمق؛ قائدًا بالموقف لا بالمسمّى.
في نهائي كأس الأمم الأفريقية 2026، على إستاد الأمير مولاي عبد الله بالرباط وأمام نحو سبعين ألف متفرج، وجد المنتخب السنغالي نفسه على حافة الانهيار بعد احتساب ركلة جزاء للمغرب في الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع عقب العودة إلى تقنية “الفار”. ركلة كانت كفيلة، لو سُجلت، بأن تمنح اللقب للمنتخب المضيف وتنهي حلم السنغال.
احتج مدرب السنغال بعنف، مطالبًا بإلغاء ركلة الجزاء واحتساب هدف سنغالي أُلغي قبلها بدقيقة. تصاعد التوتر، ونزل المدرب بابي ثياو إلى أرضية الملعب مطالبًا لاعبيه بالانسحاب، في مشهد فوضوي كاد أن يتحول إلى سابقة خطيرة في تاريخ البطولة.
الانسحاب كان سيعني خسارة اللقب، وعقوبات قاسية، وتشويه سمعة الكرة الأفريقية، ومنح الذريعة للمتربصين بها، خصوصًا في الدوريات الأوروبية.
في تلك اللحظة الفاصلة، وبينما غادر الجميع، بقي ساديو ماني وحده داخل الملعب.
لم يصرخ ولم ينجرف للفوضى، بل وقف بهدوء وكأنه يقول: لن نغادر… لن نهدم ما بنيناه.
رفض الانسحاب، ثم ذهب إلى غرف تبديل الملابس وأقنع زملاءه بالعودة لإكمال المباراة، منقذًا سمعة البطولة ومسار النهائي.
سدد المغربي إبراهيم دياز ركلة الجزاء بطريقة غريبة، فتصدى لها الحارس السنغالي إدوارد مندي، لتتجه المباراة إلى الأشواط الإضافية، وكأن الكرة قررت مكافأة من احترمها.
في الوقت الإضافي، تحوّل ماني من رمز أخلاقي إلى قائد ميداني، وبثّ الروح والثقة في زملائه، قبل أن يسجل بابي غاي هدف التتويج الوحيد، ليحرز المنتخب السنغالي لقبه الثاني في تاريخه.
وعند لحظة التتويج، اتفق اللاعبون في لفتة رمزية على منح شارة القيادة لساديو ماني، ليكون هو من يرفع الكأس، رغم أن الشارة الرسمية كانت على ذراع كاليدو كوليبالي.
لقبٌ ثانٍ للسنغال، لكن ساديو ماني نال لقبًا أسمى لا تُدوّنه الإحصاءات: القائد الأخلاقي وحارس روح اللعبة.
.
خاتمة
في زمنٍ تُقاس فيه العظمة بالأهداف والعقود، أعاد ساديو ماني تعريفها بموقف. أثبت أن القيادة ليست شارة، وأن النجومية ليست أرقامًا، بل مسؤولية.
وفي قريته بامبالي، كما في الملعب، جسّد المعنى ذاته؛ مدارس ومستشفى ودعمٌ إنساني بعيد عن الأضواء.
في تلك الليلة، تُوجت السنغال بالكأس، لكن الكرة الأفريقية تُوّجت بإنسان.
مازن ابو الحسن
فيلادلفيا
18 يناير 2026

