السبت, فبراير 7, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةمن الإقصاء إلى الفشل: الدروس والعبر من تجربة القانون (8)

من الإقصاء إلى الفشل: الدروس والعبر من تجربة القانون (8)

كتب:حسين سعد

في المشهد السياسي السوداني، نادراً ما تكتب نهايات القوانين قبل أن ترى النور، إلا أن قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021 كتب نهايته قبل أن يُقرّ، ليس بقرار السلطة التنفيذية أو البرلمان، بل بفعل رفض القاعدة والمجتمع المدني والمزارعين أنفسهم، لقد كانت هذه النهاية درسًا كبيرًا: القانون لا يمكن أن يُنجز بمعزل عن أهله، ولا يمكن أن ينجح إذا غاب عنه الحق الاجتماعي والتمثيل الشعبي.
هذه الحلقة تراجع كل محطات القانون: من لجنة الصياغة، مروراً بالورش المحدودة، وصولاً إلى مجلس الإدارة ومحاولات تمريره إلى مجلس الوزراء، لتكشف لماذا سقط القانون، وما الدروس التي يمكن للسودان استخلاصها لبناء تشريعات عادلة ومستدامة في المستقبل، منذ البداية لوضع مسودة القانون كان هنالك ضعف في التمثيل ( من قولة تييت) بحسب ما قال كتاب صديق عبد الهادي أبوعشرة بعنوان ( مقترح مشروع الجزيرة 2021م ، وحقيقة موقف مجلس الإدارة ) حيث أشار الكتاب إلى أن القانون وُلِد بعيدًا عن القاعدة. لجنة الصياغة لم تضم المزارعين، ورش المشورة كانت محدودة، والنساء لم يكن لهن أي تمثيل، والمزارعون لم يعرفوا حقيقة المشروع إلا بعد مرحلة متأخرة، هذه الفجوة في التمثيل أدت إلى ضعف شرعية القانون حتى قبل عرضه.
دروس وعبر:
إن الدرس الأول واضح: هو إن القانون لا يمكن أن يُنجز بمعزل عن المجتمع الذي سيطبَّق عليه، أي تجاهل للمستفيدين المباشرين سيؤدي حتماً إلى رفضه أو مقاومته، إن الخلل في فلسفة التشريع القانون، كما أُعد، اتسم بفلسفة مركزية ، بجانب التركيز على السيطرة على الموارد والإدارة التقنية، بدلاً من حماية الحقوق، النتيجة الطبيعية لهذا العمل الفوقي هي ان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمزارعين لم تُأخذ بعين الاعتبار، فضلاً عن غياب تمثيل النساء بالكامل، والضمان الاجتماعي لم يرد في أي نص مهم؟ هذا يبرز درسًا ثانياً: الفلسفة التي يقوم عليها القانون أهم من النصوص نفسها. أي نص يفتقد للعدالة والإنصاف سيواجه مصير الفشل
معركة مجلس الإدارة:
داخل مجلس الإدارة، كان هناك صراع مستمر بين تيار السرعة والتنفيذ، وتيار الشرعية والمساءلة، التيار الأول حاول تمرير القانون بسرعة، مستخدمًا السلطة التنفيذية لتجاوز الاعتراضات، أما التيار
الثاني فقد إعترض على غياب التمثيل، مؤكدًا أن أي تمرير دون مشاركة القواعد هو خيانة لروح المشروع والثورة.
هذا الانقسام كشف درسًا ثالثًا: حتى المؤسسات المفترضة مستقلة تحتاج لآليات حقيقية للمساءلة الداخلية، وإلا سيصبح قرارها أداة لإعادة إنتاج الفشل.
المجتمع المدني والضغط الشعبي أحد العوامل الحاسمة في سقوط القانون كان الضغط الشعبي والمجتمعي
المزارعون، الاتحادات الزراعية، والناشطون الحقوقيون رفعوا أصواتهم، مطالبين بوقف التمرير، والمطالبة بإشراك القواعد، حيث كان دور المجتمع المدني درساً رابعاً، فالمشاركة الشعبية ليست رفاهية، بل ضرورة لضمان العدالة في التشريع.
الاعتراف بالخطأ: خطوة ناقصة
رغم اعتراف بعض المسؤولين بالتقصير، إلا أن الاعتذار جاء ناقصًا، بلا إجراءات متابعة، وبلا إصلاحات حقيقية، وهو الدرس الخامس فالاعتراف وحده لايكفي بل يجب أن يرافقه إصلاح مؤسسي، وإعادة بناء الثقة مع المجتمع، لكن بصورة عامة فأن أبرز الفجوات كانت هي غياب نصوص حماية ملكية الأرض، وغياب تمثيل النساء في اللجان واتخاذ القرار، وغياب الضمان الاجتماعي والدعم المالي للمزارعين.
الدرس سادس: أي قانون يفتقد للحقوق الأساسية لن ينجح، مهما كانت صيغته الإدارية سليمة، سقوط القانون جاء نتيجة تلاقي عدة عوامل ، وهي غياب التمثيل القاعدي: المزارعون لم يُشركوا من البداية، وتنفيذ ورش محدودة وغير تمثيلية والمشاركة كانت شكلية فضلاً عن إنقسام مجلس الادارة بين تيار السرعة مقابل تيار الشرعية ، بجانب الاعتماد علي السلطة التنفيذية والالتفاف علي القاعدة ، وإغفال الحقوق الأساسية: الأرض، النساء، الضمان الاجتماعي، لذلك كانت النتجية كما قلنا مسبقاً هي قانون فاقد للقبول الشعبي ومرفوض أجتماعياً حتي قبل ان يجاز رسمياً، فالدروس الوطنية من تجربة مشروع الجزيرة يمكن استخلاص عدة دروس مهمة للسودان، وهي إن المشاركة الاجتماعية شرط أساسي لنجاح أي قانون، والعدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية يجب أن تكون جوهر التشريع، والشرعية الشعبية أهم من السرعة التنفيذية، بجانب إحتياج المؤسسات إلي آليات واضحة للمساءلة الداخلية، ويجب ان يلعب المجتمع المدني دورًا حيويًا في حماية الحقوق، والاعتراف بالخطأ يجب أن يرافقه إصلاح حقيقي، هذه الدروس تمثل خارطة طريق لأي تشريع مستقبلي في السودان، خصوصًا في المشاريع الاستراتيجية مثل مشروع الجزيرة.
تجاوز أهل المصلحة الحقيقيين:
ويقول صديق عبد الهادي : كرئيس لمجلس إدارة المشروع، هو ان هذا القانون لم يعرض على اهل المصلحة الحقيقيين وهم المزارعون والعاملون في المشروع وملاك الارض، بمعنى أدق انه لم يعرض على الأطراف الأساسية في المشروع.
تمت ورشتان فقط أحدهما في مدينة المناقل والأخرى في مدينة ود مدني، فهاتان الورشتان اليتيمتان لا تمثلان جموع المزارعين واهل المصلحة في المشروع، وأضاف صديق : اننا نتحدث عن عدد (130) ألف مزارع، كل ذلك بالاضافة الى حقيقة ان مجلس الادارة لم يعقد جلسة خاصة به لمناقشة هذه المسودة بل انه لم يتم اطلاع المجلس علي القانون المقترح وتسليمه لهم حتى هذه اللحظة، بالرغم من حقيقة ان المجلس هو السلطة الأعلى في المشروع وهو المسؤول عن المشروع. فهذا امر لا يستقيم البتة. عليه، واقول ذلك بكل الوضوح اننا امام نفس الدولة البائدة وبكل عمقها.
وأوضح عبد الهادي : إنني وكرئيس لمجلس الادارة ألفت انتباه كل الجهات المسؤولة مطالبا اياها عدم الذهاب في هذه السكة الخطرة الزلقة ، وعليها الا تتجاهل حق المزارعين والعاملين والملاك في الاطلاع علي مشروع القانون المقترح والمساهمة فيه. كما وارجو مخلصا الا يضطروا الناس للقول بان هذا المشروع المقترح سيكون مرفوضا ولو جاء مبرءا من كل عيب.

الخاتمة من المحرر:
سقوط قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021 ليس مجرد فشل تشريعي، بل درس وطني عميق، لقد كشف عن هشاشة المسار التشريعي في الفترات الانتقالية، عن ضعف التمثيل، عن غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وعن ضرورة إشراك القواعد والمجتمع المدني في أي مسار قانوني، إن الفشل هنا ليس نهاية الطريق، بل بداية فرصة لتصحيح المسار، لابد من العودة إلى المزارعين، والاستماع إليهم، وإشراك النساء والشباب، ووضع حماية اجتماعية واضحة، وبناء قوانين شفافة ومبنية على العدالة، بهذا، يمكن لمشروع الجزيرة، وللسودان بشكل عام، أن يتحوّل من تجربة فشل إلى دروس للبناء والعدالة والمشاركة الحقيقية (يتبع)

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات