الإثنين, فبراير 9, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةإستعجال في التشريع… وإصلاح بلا أهل المصلحة (9)

إستعجال في التشريع… وإصلاح بلا أهل المصلحة (9)

كتب :حسين سعد
لم يكن صمت مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل خلال العقود الثلاثة الماضية صمت رضا، بل صمت قسري فرضته أنظمة القهر، وعمّقته سياسات الإقصاء، وعندما جاءت ثورة ديسمبر، ظن كثيرون أن لحظة إسترداد الصوت قد حانت، وفي ذات الوقت إعتقدوا إن أي تشريع جديد يخص مشروع الجزيرة—أكبر مشروع زراعي مروي في السودان—سيولد من رحم المشاركة والشفافية، غير أن مقترح قانون مشروع الجزيرة لسنة 2021 جاء، وفق ما يراه متابعون وأصحاب مصلحة، محمّلًا بعلامات إستفهام كبرى، لا تتعلق فقط بمضامينه، بل بالطريقة التي صيغ بها، والعجلة التي أُنجز فيها، والغياب شبه الكامل لمن يفترض أن يكونوا في قلبه: المزارعين والمزارعات والعمال الزراعيين وأصحاب الأرض.
هذا التقرير يفتح الملف من زاويته الأوسع: كيف يمكن لقانون يُفترض أن يصلح مشروعًا تاريخيًا أن يُكتب دون مشاركة حقيقية لأهله؟ وما الذي تعنيه هذه البداية المرتبكة لمستقبل مشروع ظل لعقود ركيزة للاقتصاد والمجتمع معًا؟
قانون مشروع الجزيرة ليس قانونًا تقنيًا عاديًا، لأن المشروع نفسه ليس كأي مشروع. نحن نتحدث عن مشروع تنموي واقتصادي–اجتماعي–قومي، تشكلت حوله علاقات إنتاج معقدة، وتداخلت فيه ملكية الأرض بين الملك الحكومي والملك الحر، وأسهم في تشكيل هوية منطقة بأكملها، بل وأسهم تاريخيًا في تمويل الدولة السودانية، وكتبت عنه كتب عديد ومقالات وتقارير صحفية ،هذه الخصوصية تفرض، بطبيعتها، أن يكون أي تشريع جديد نتاج حوار واسع، وإجابات واضحة عن أسئلة مركزية؟ من يملك الأرض؟ من يديرها؟ من يقرر مصير المشروع؟ ومن يحميه من التكرار المأساوي لتجارب الانهيار التي عاشها خلال عهد النظام البائد؟ لكن ماحدث في اعداد مقترح قانون 2021م بحسب ما أكده كتاب صديق عبد الهادي ، بدا نقيضاً لذلك تماماً ، عجلة مريبة وإقصاء منظم، أولى الإشارات المثيرة للقلق كانت العجلة الواضحة التي أنجزت بها اللجنة مسودة القانون. عجلة لم تُفسَّر للرأي العام، ولم تُبرَّر بحالات طوارئ أو مخاطر داهمة، لكنها ظهرت كأنها سباق مع الزمن لإغلاق باب النقاش.
لم تنفذ اللجنة سوى لقاءين محدودين، لم يتجاوز عدد المشاركين فيهما نحو 500 شخص، من أصل ما يقارب 130 ألف مزارع ومزارعة، رقم يكشف عن خلل فادح في فهم معنى (المشاركة) الأخطر من ذلك أن اللقاءات لم تشمل كل أصحاب المصلحة، إذ التقت اللجنة بلجنة واحدة فقط من لجنتي أصحاب الملك الحر، ثم اكتفت بلقاء رسمي مع والي الولاية، هذا الشح في التشاور يطرح سؤالًا جوهريًا مفاداه ؟ لمن كتب هذا القانون؟
ومسودة تُسحب بلغت الشكوك ذروتها في ما وُصف بأنه تصرف (غير مسبوق) من اللجنة، عندما دعت مجلس إدارة مشروع الجزيرة لاجتماع طارئ لمناقشة مشروع القانون. المفارقة أن أعضاء المجلس اطّلعوا على المسودة لأول مرة في بداية الاجتماع، ثم طُلب منهم تسليم النسخ في نهايته، ويقول خبراء في مجال القانون في العمل التشريعي ، لاتعتبر هذه مجرد هفوة إجرائية، بل مؤشرًا خطيرًا على عقلية ترى في النقاش تهديدًا، وفي الشفافية عبئًا، فكيف يُنتظر من مجلس إدارة، أو من مزارعين، أو من مجتمع كامل، أن يناقشوا قانونًا لا يُسمح لهم بالاحتفاظ بنصه؟
ومن باب الإنصاف، يجب الإشارة إلى أن مسودة القانون ليست خالية من الجهد أو الرصانة، فبعض نصوصها تعكس اطلاعًا واسعًا على الإرث القانوني لمشروع الجزيرة، وتتسم بقدر من الموضوعية، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في النصوص، بل في هزيمة الجوهر، فالقانون، مهما بلغت جودة صياغته، يفقد شرعيته حين يُكتب بمعزل عن الناس، النصوص وحدها—كما أثبتت التجربة—لا تحمي مشروعًا، ولا تمنع تكرار المآسي، إذا لم تكن نابعة من إرادة جماعية ومشاركة فعلية.
تجربة مشروع الجزيرة خلال الثلاثين عامًا الماضية تقدم درسًا قاسيًا: أن أخطر ما يهدد المشاريع الكبرى ليس ضعف النصوص، بل تغييب البشر، فقد تعرّض المشروع خلال عهد النظام البائد لمحاولات تفكيك وبيع واستيلاء على الأرض، كادت أن تنتهي بتجريد المزارعين من مصدر عيشهم الوحيد، من هنا ، فإن حماية المشروع لا تكون فقط بالقوانين، بل بالناس أنفسهم. والمشاركة ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل آلية حماية أساسية. فعندما يشعر المزارع أن القانون كُتب بغيابه، لن يرى فيه درعًا، بل عبئًا جديدًا.
يُفترض في أي قانون لمشروع الجزيرة أن يجيب بوضوح على مفاهيم كبرى، مثل ما المقصود بالإنتاج والإنتاجية؟ كيف تتحقق قومية المشروع؟ كيف يُضمن العائد المجزي للمزارع؟ ما هو دور المشروع في دعم الاقتصاد الوطني؟ لكن هذه الأسئلة، كما يرى نقاد المسودة، لم تُعالَج بما يكفي، أو عتمت معالجتها بصياغات عامة لا تترجم إلى التزامات واضحة، والنتيجةهي قانون يَلتزم بالإصلاح، دون أن يضع أسسه الصلبة،
مختطفات من الكتاب :
يوثّق صديق عبد الهادي سلسلة مداخلات ونقاشات جرت داخل مجلس إدارة مشروع الجزيرة خلال يونيو 2021، كشفت عن خلافات جوهرية حول طريقة تعامل لجنة القانون ووزارة الزراعة مع مسودة قانون مشروع الجزيرة، ومدى إشراك مجلس الإدارة وأصحاب المصلحة في مناقشتها.
تبدأ الوقائع بمداخلة د. أيمن إبراهيم، الذي طالب قانونياً بحق مجلس الإدارة في الاطلاع على مسودة القانون ومناقشتها قبل رفعها للوزير والجهات المختصة، خاصة أن بعض الأبواب الجوهرية – وعلى رأسها علاقات الإنتاج – لم تُناقش بسبب ضيق الوقت. وردّ المستشار القانوني بدرالدين مؤكداً عدم وجود مانع قانوني من ذلك إذا لم تكن المسودة قد دخلت بعد مسار الإجازة الرسمية، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن دور اللجنة ينتهي برفع تصورها للوزير.
عبّر رئيس مجلس الإدارة عن قلقه من احتمال إجازة القانون دون الرجوع لأي جهة تمثل أصحاب المصلحة، معتبراً أن هذا النهج يكرر ممارسات الأنظمة السابقة، ومؤكداً أن المزارعين وأهل الجزيرة هم أصحاب المصلحة الحقيقيون، وأن إشراك عدد محدود منهم في مدني والمناقل لا يفي بمتطلبات قانون بحجم مشروع الجزيرة.
لاحقاً، قدّم بعض الأعضاء – أبرزهم المهندس ياسر نقد – إفادات تؤكد أن اجتماع رمضان الذي نوقشت فيه المسودة كان طارئاً، لم يكتمل فيه الإعداد ولا – بحسب بعض الروايات – النصاب القانوني، وأنه انتهى عملياً إلى جلسة نقاش عامة لمسودة غير مكتملة، ما يعني أن القانون لم يكن جاهزاً للنقاش الجاد. في المقابل، دافع أعضاء آخرون عن اكتمال النصاب، ما عكس ارتباكاً إدارياً وتبايناً في الروايات.
أعاد رئيس مجلس الإدارة التركيز على نقطة محورية، هي أن أعضاء المجلس لم تُسلَّم لهم المسودة مسبقاً وفي الزمن المتعارف عليه، مؤكداً أن التعامل مع “قانون مشروع الجزيرة” لا يجوز أن يُدار بعقلية الاستعجال أو الإجراءات الاستثنائية، وأن ما جرى لا يشبه عمل المجلس المؤسسي.
كما أوضح د. أيمن إبراهيم لاحقاً أن لجنة القانون – بموجب تكوينها الوزاري – رفضت في البداية تمليك المسودة للمجلس، واعتبرت نفسها معنية فقط بتسليمها للوزير، قبل أن يتدخل رئيس اللجنة ويوافق على نقاش محدود، مع توزيع نسخ مؤقتة واستردادها بعد الاجتماع، ومنع نشرها.
ويصل النص إلى ذروة نقده في مداخلة لاحقة لرئيس المجلس (يناير 2022)، رداً على بيان لجنة تسيير اتحاد المزارعين، حيث أقرّ صراحة بأن مجلس الإدارة، بمن فيهم ممثلو المزارعين، أخفق في التعامل مع القانون باعتباره أهم قضايا المشروع، وتصرف على نحو يخالف سياساته المعلنة وتوقعات أهل المصلحة، وبطريقة تشبه ممارسات النظام السابق. وأكد أن قرار المجلس بعقد جلسة خاصة لمناقشة القانون بحضور وزير الزراعة كان اعترافاً ضمنياً بخطأ المسار السابق.
ويختتم بالدعوة إلى فتح حوار علني وشفاف حول أداء مجلس الإدارة وعلاقته بأهداف ثورة ديسمبر، التزاماً بالمسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه أهل مشروع الجزيرة.
الخاتمة من المحرر:
لا يمكن النظر إلى مقترح قانون مشروع الجزيرة 2021 بمعزل عن اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد. فالسودان، الخارج من ثورة، لا يحتمل تشريعات تُكتب بعقلية ما قبل الثورة. ومشروع الجزيرة، بتاريخِه وثقله الاقتصادي والاجتماعي، لا يحتمل قانونًا يولد في العجلة، ويترعرع في غياب أهله.
هذا السلسلة من التقارير التي نختمها بالحلقة العاشرة والأخيرة ليست دعوة لرفض اي قانون مستقبلاً ، بقدر ما هي دعوة لإعادة النظر: في المنهج، وفي الفلسفة، وفي السؤال الأساسي—من يملك الحق في صياغة مستقبل مشروع الجزيرة؟(يتبع)

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات