الثلاثاء, فبراير 10, 2026
الرئيسيةمقالاتميرغني أبشر يكتب :حكومة الترانزيت والوقف المباح: وهم الشرعية وفقدان المهام

ميرغني أبشر يكتب :حكومة الترانزيت والوقف المباح: وهم الشرعية وفقدان المهام

ثمّة ظاهرتان تلخّصان مأزق السلطة القائمة اليوم في السودان. الأولى هي الجوع المرضي للحضور الدولي والإقليمي، واستجداء الخبر، والافتتان الساذج بصناعته، حتى تبدو الحكومة – في أعين الناس – كأنها تحظى باعتراف العالمين. والثانية هي النظر إلى المنصب العام بوصفه أداة كسب وباب استحواذ، لا بوصفه تكليفاً تحكمه مهام ومسؤوليات. وهما، في جوهرهما، إعلان فاضح عن فشل لا يقبل كثير جدل، لحكومة لا تقوم على شرعية سياسية أو تفويض شعبي، إنما تنهض على بندقية أُنهكت في قبضتها البلاد وحياة العباد، ولم يعد في جعبتها سوى الوهم الإعلامي بديلاً عن الإنجاز.

في هذا السياق، بثّت وكالة السودان للأنباء (سونا) خبراً مفاده أن رئيس الوزراء، بروفيسور كامل إدريس، التقى بمطار أديس أبابا – في طريق عودته إلى البلاد – سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي، وتناول اللقاء آفاق تعزيز العلاقات السودانية الإثيوبية.
لا يحتاج القارئ إلى كثير عناء ليدرك بؤس ما انتهت إليه علاقات السودان بجواره الأفريقي. فـ«سعادة» رئيس الوزراء، بحسب الخبر، لم يُتح له لقاء أي مسؤول إثيوبي، ولو في أدنى سلم الخارجية، واكتفى عوضاً عن ذلك بمجالسة سفير بلاده في صالة ترانزيت، مستغلاً انتظار الرحلة مساحة للقاء بروتوكولي جرى تقديمه للرأي العام بوصفه نشاطاً دبلوماسياً.

الأكثر دلالة أن الخبر تجنّب عمداً الإجابة على سؤال جوهري في صناعة الخبر الصحافي: من أين عاد رئيس الوزراء؟
لأن الإجابة تكشف حجم الخلل في صورة العلاقات الخارجية وهيبة الدولة.
فكامل إدريس كان عائداً من زيارة إلى جنيف، لم يلتقِ خلالها مسؤولاً سويسرياً واحداً، واقتصرت لقاءاته على مندوبين في منظمات تُعنى بحقوق الإنسان والهجرة. زيارة وُصفت رسمياً بأنها «مهمة»، لكنها انتهت بلا أي اختراق سياسي أو مكسب دبلوماسي يُذكر، وهو ما يفسر تجاهل ذكرها في صدر الخبر، تفادياً لإحراج يصعب تجميله بلغة العلاقات العامة.

الخبر الثاني صاغته، وتكفّلت به، مواقع التواصل الاجتماعي، كاشفاً عُري حكومة الأمر الواقع وفراغها من أي مهام كبرى في زمن حرب وجودية. هنا يتعلق الأمر بمحاولة بيع قطعة أرض مجتزأة من مجمع عباد الرحمن الإسلامي، المملوك لوالد عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار.
والقضية لا تقف عند حدود إساءة استخدام النفوذ ضد موظف عام رفض الاستجابة لطلب شخصي، فهي تمتد إلى جوهر أخطر: التصرف في أرض وقف ديني. وبحسب المستندات المتداولة، فإن الأرض موقوفة شرعاً، وقد خُصصت سابقاً للاستنفاع من ريعها بالإيجار فقط. والوقف، بحكم القانون والشرع، لا يُباع ولا يُجزأ. وأي محاولة لتحويل هذا الحق المحدود إلى تصرف تجاري، يقيناً، تقع مباشرة في خانة الفساد واستغلال السلطان.

القاسم المشترك بين الخبرين تجسّده بنية العقلية الحاكمة التي تنماز بشوفانية صبيانية وفرح طفولي بالمناصب الرفيعة لقباً، والوضاعة مشغولية؛ إذ إننا إزاء مشهد مضحك: حكومة تبحث عن شرعية وفتات خبر إقليمي في المطارات، وتمطتي الدولة بوصفها ملكية خاصة، تُستثمر اسماء الآباء اللامعة فيها كما تُستثمر أيضاً الأراضي الموقوفة. الأول يبيع صورة وهمية عن علاقات خارجية لا وجود لها، والثانية تحاول بيع ما لا يُباع أصلاً.

وهكذا يتخبط الجنرال في اختياراته الدستورية واضحة البلادة، ولكن لعلها اختيرت له من قبل الذين أشقوا البلاد والعباد بكل خياراتهم البِئْسَة.

و تمضي حكومة الأمر الواقع، من ترانزيت إلى ترانزيت، فيما تتآكل الدولة من الداخل، بلا مهام، وبلا أفق.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات