ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات
تقديم: يمثل إعلان عودة السودان إلى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيغاد) خطوة سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي لتلامس موقع البلاد داخل هندسة الوساطات الإقليمية والدولية ومسارات التسوية المحتملة للحرب الدائرة. فالقرار يأتي بعد تعليق الخرطوم عضويتها مطلع عام 2024 احتجاجاً على ما اعتبرته تجاوزاً لمبدأ السيادة الوطنية، وفي سياق بيئة إقليمية تشهد تنافساً متزايداً على إدارة الملف السوداني بين أطر متعددة.
ولا تنفصل هذه العودة عن تحولات أوسع في موازين الوساطة، سواء المرتبطة بالرباعية الدولية أو بالمبادرات الثنائية والإقليمية، الأمر الذي يجعلها لحظة اختبار لإعادة تعريف موقع الإيغاد كفاعل إقليمي، ولإعادة ترتيب العلاقة بين المسارات التفاوضية المختلفة، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على بنية الاستقطاب الإقليمي وعلى فرص الدفع نحو مسار سلام ومصالحة مستدام داخل السودان.
التحليل:
صيغة جديدة لأليات التفاوض:
تشير عودة السودان إلى الإيغاد إلى محاولة إعادة تثبيت الاعتراف الإقليمي به بوصفه دولة ذات مؤسسات سيادية، وليس مجرد ملف نزاع يخضع لإدارة خارجية. فاستئناف المشاركة يمنح الحكومة منصة إقليمية للتفاعل السياسي والدبلوماسي، ويعيد إدراج الأزمة السودانية ضمن سياق أمني أوسع يرتبط باستقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن هذا المنظور، تعزز الخطوة سردية التعامل مع السودان عبر القنوات الحكومية الرسمية، بما يمنح القيادة القائمة غطاءً إقليمياً وظيفياً في مواجهة محاولات وضعها على قدم المساواة مع أطراف مسلحة غير حكومية.
وعلى مستوى مسار التفاوض، لا تعني العودة تحولاً مباشراً في موازين العملية السياسية، لكنها تفتح إمكانية إعادة صياغتها. فمن المرجح أن تسعى الخرطوم إلى نقل مركز الثقل من المسارات الدولية إلى إطار إقليمي أكثر حساسية لمصالح دول الجوار، بما يحد من شروط الوساطات الخارجية التي قد لا تتوافق مع أولويات المؤسسة العسكرية أو بعض القوى السياسية . وقد يفضي ذلك إلى نشوء مسار تفاوضي هجين تتقاطع فيه الأدوار، بحيث تتولى الإيغاد قيادة المسار السياسي الإقليمي، بينما تستمر الرباعية في تقديم الدعم الدولي والاقتصادي، في صيغة تستند إلى سوابق إقليمية شهدت تداخلاً مماثلاً بين الأطر الإقليمية والدولية. غير أن هذه الصيغة، رغم واقعيتها، تظل عرضة لتحديات تعدد المرجعيات وتباين أجنداتها.
أما على مستوى المصالحة، فإن إدماج الملف في إطار إقليمي قد يسهم في تخفيف الطابع الصفري للصراع عبر ربط التسوية بمصالح استقرار إقليمية أوسع، بما يعزز فرص تبني مقاربات تدريجية تتجاوز منطق الحسم العسكري. إلا أن هذا الاحتمال يظل رهناً بقدرة الإيغاد على فرض حد أدنى من التوافق بين أعضائها وعلى اكتساب ثقة الأطراف السودانية، وهي عوامل لا تزال غير محسومة.
التداعيات دوليا وإقليميا:
تحمل العودة بعداً سياسياً آخر يتمثل في محاولة إعادة التوازن مع الرباعية الدولية. فهي تعكس رغبة في إعادة توزيع أدوار الوساطة بما يمنح الإطار الإقليمي دوراً أكبر في تحديد أولويات التسوية، دون أن يعني ذلك إقصاء المسار الدولي، بل إعادة موضعته ضمن معادلة تكاملية تبقى فيها أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية الدولية ضرورية لدعم أي اتفاق محتمل. ومن ثم، تبدو العلاقة بين المسارين أقرب إلى التداخل منها إلى التنافس الصريح.
في سياق الاستقطاب الإقليمي، تشكّل العودة مساحة مؤسسية قد تساعد على تخفيف التنافس حول إدارة الأزمة، إذ تجمع الإيغاد دول الجوار المتأثرة مباشرة بالحرب وتوفر إطاراً للتنسيق. إلا أن هذا التأثير ليس مضموناً، نظراً لاختلاف مواقف الدول الأعضاء نفسها، ما قد ينقل الاستقطاب إلى داخل الإطار الإقليمي بدلاً من احتوائه. ومع ذلك، تظل الخطوة ذات أهمية في الحد من تشتت المبادرات وإيجاد أرضية مشتركة للتعامل مع تداعيات النزاع.
لا تقتصر دلالات عودة السودان إلى الإيغاد على إعادة ترتيب مسارات الوساطة، بل تمتد إلى المجال الجيوسياسي الأوسع المحيط به، حيث يشكّل السودان حلقة وصل مركزية بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر والعمق العربي. فاستعادة موقعه داخل إطار إقليمي فاعل تعيد إدراج الحرب ضمن منظومة الأمن الإقليمي لهذه المناطق، بما قد ينعكس على توازنات النفوذ فيها.
على مستوى البحر الأحمر، تكتسب الخطوة أهمية لكون استقرار السودان جزءاً من أمن هذا الممر الحيوي في ظل تنافس، إقليمي ودولي متزايد على موانئه وشواطئه. ويعزز انخراطه في الإيغاد قدرة الدول الساحلية على التعامل مع الأزمة بوصفها مسألة أمن جماعي، بما قد يحد نسبياً من اندفاع القوى الدولية لملء الفراغ دون أن يلغي حضورها.
في القرن الأفريقي، يبدو للمراقب ان إعادة إدماج السودان في الإطار المؤسسي الإقليمي يمنح المنظمة ثقلاً إضافياً في إدارة التفاعلات الأمنية والسياسية، وتعيد ربط النزاع السوداني بقضايا الاستقرار الحدودي والهجرة والنزاعات الداخلية في دول الجوار، ما يعزز الترابط بين ملفات المنطقة ويجعل التسوية السودانية جزءاً من مقاربة أشمل لاستقرار الإقليم.
في السياق الخليجي، قد تسهم العودة في إعادة توزيع قنوات التأثير، إذ يشكّل الإطار الإقليمي منصة توازن بين المبادرات الثنائية المختلفة، ويتيح لدول الخليج التعامل مع الملف عبر بنية جماعية أكثر استقراراً، مع بقاء المصالح الاقتصادية والأمنية دافعاً لاستمرار حضورها.
بالنسبة لمصر، التي تنظر إلى استقرار السودان بوصفه امتداداً مباشراً لأمنها القومي، فإن تعزيز دور الإيغاد قد يوفر مساراً إقليمياً مكملاً للتحركات الثنائية، ويتيح معالجة الأزمة ضمن سياق أوسع يشمل أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع بقاء ذلك مشروطاً بمدى توافق مقاربة المنظمة مع الأولويات المصرية.
الخلاصات:
تشير عودة السودان إلى الإيغاد إلى محاولة إعادة إدراج الأزمة ضمن إطار إقليمي يعزز الاعتراف بالدولة ومؤسساتها، ويمنح الحكومة منصة سياسية للتفاعل خارج الضغوط الدولية المباشرة. كما تفتح الباب أمام إعادة توازن بين المسارات التفاوضية بما يرجح نشوء صيغة هجينة تتقاسم فيها الأدوار بين الإيغاد والرباعية.
قد تسهم الخطوة في تخفيف الاستقطاب الإقليمي عبر توفير إطار مؤسسي للتنسيق، لكنها لا تضمن احتواءه، إذ تبقى قدرة المنظمة على التأثير مرهونة بتماسك أعضائها وقبول الأطراف السودانية بدورها.
في المحصلة، لا تمثل العودة تحولاً حاسماً في مسار الحرب أو السلام، لكنها تعيد ترتيب البيئة التفاوضية والجيوسياسية المحيطة بالأزمة، بما يجعل أثرها الحقيقي مرتبطاً بكيفية توظيفها سياسياً وبقدرتها على التحول من خطوة مؤسسية إلى أداة فاعلة في دفع التسوية.

