تُعَدّ حادثة إسكات المنصّة لدولة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، وما صاحبها من توصيف جارح، سابقةً غير معهودة في تاريخ الدبلوماسية المعاصرة، ولم يشهد لها مثيل في المؤتمرات الدولية الكبرى. فأن يُوصَف رئيس وزراء دولة ذات سيادة على منصّة عامة، ومن قِبل مدير جلسة في إطار غير حكومي ب”الثرثرة”، هو أمر بالغ الغرابة، ويكشف عن خلل عميق في السياق السياسي الذي أُدرجت فيه المشاركة السودانية خلال مؤتمر ميونيخ للأمن.
غير أن هذه الواقعة، على غرابتها، يمكن تفسيرها ضمن حالة العزلة الخانقة التي يمرّ بها رأس السلطة التنفيذية في السودان، وما يحيط بنظامه من انسداد في قنوات التواصل مع العالم الخارجي. فحين تنعدم شرعية الخطاب، وتُغلق نوافذ الحوار، يتحوّل المنبر الدولي إلى مساحة لتفريغ المكبوت السياسي، لا لتبادل الرؤى أو بناء الجسور. وبذلك تصبح العزلة نفسها مادة أولية لانفجار هذا التوتر الرمزي، كما تجلّى بوضوح في هذا المؤتمر.
ومن هذا المنطلق، ورغم أن مؤتمر ميونيخ للأمن مؤتمر غير حكومي، ويعمل أساساً كمنصة لإدارة التفاهمات حول الأزمات الأمنية العالمية خارج الأطر الرسمية الصارمة، فقد أُتيحت من هذا الباب فرصة لدولة السودان لعرض رؤيتها. غير أن خطاب دولة رئيس الوزراء كامل إدريس بدا جامعاً لكل شيء، ومفرغاً من أي مضمون حقيقي في الوقت ذاته.
وفي حديثه، ظهر تدليس سياسي واضح، إذ أشار إلى “مبادرة ثلاثية” تضم الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والمملكة العربية السعودية، متجنباً عمداً ذكر “الرباعية”، التي تشمل كذلك دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا الإغفال لا يمكن قراءته إلا بوصفه تعبيراً عن حنق غير موضوعي في مقاربة مسألة دبلوماسية يُفترض فيها الاتزان والوضوح، لا الانتقائية.
الأكثر إشكالاً أن رئيس الوزراء عمد إلى دمج تعسفي بين مفهوم “المبادرة السياسية” وبين “الحزمة المطلبية العسكرية”. فقد قدّم ما سمّاه مبادرة تحظى، بحسب زعمه، بتأييد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد ودول الجوار، بينما ما طُرح فعلياً لا يتجاوز مطالب أحادية: خروج قوات الدعم السريع من المدن، تجميعها في معسكرات، فرز عناصرها، ثم إعادة تأهيل من “يستحق” ودمجه في القوات المسلحة. هذه ليست مبادرة سلام بالمعنى السياسي، وإنما شروط طرف في حرب يسعى لفرض رؤيته بقوة الخطاب، لا بقوة التوافق.
أما المبادرة ذات الوزن الدولي الحقيقي، أي “الرباعية”، فقد جرى “تدليسها” لصالح تسويق يائس لشرعية ما تريده حكومة الأمر الواقع في الخرطوم. ويتعمّق هذا التناقض حين ننتقل إلى مداخلاته الجانبية في أروقة المؤتمر، حيث بدا افتقار واضح للتركيب الذهني المتماسك. فحين وُوجه بأسئلة الصحفيين حول السلام والمفاوضات، كرر لازمة: “لا نرفض الحوار ولا نرفض السلام”، بينما يرفض في الجوهر الجلوس إلى الطرف الآخر في الصراع.
المفارقة الأوضح تجلّت في حواره مع إحدى المذيعات، حين سألته: مع من تريد السلام إذا كنت لا تجالس الطرف الآخر؟ فاضطر إلى القول إن السلام يجب أن يكون مع “داعمي” هذا الطرف. لكنه، في الوقت نفسه، أنكر في ممرات المؤتمر قدرته على تسمية هذه الدولة، رغم أنه سبق أن سمّاها صراحة على المنصة الرسمية. هذا التذبذب يكشف ارتباكاً بنيوياً في الخطاب، لا مجرد زلّة إعلامية.
وفي مقابل ذلك، نجد أن أطرافاً سياسية داعمة للجيش، لا سيما داخل التيار الإسلامي، تُعلن استعدادها للجلوس مع قوات الدعم السريع، مع اشتراط استبعاد القوى المدنية. بينما يذهب الخطاب الرسمي إلى حد نزع صفة “القوات” عن الدعم السريع، ووصمها بالمرتزقة، ورفض أي حوار مباشر معها، وقصر الحديث على “الداعم الخارجي”. هكذا يُدَّعى وجود إجماع على مبادرة، بينما الواقع يكشف تفكيكاً للمفاهيم وتدليساً في التسميات.
الخلاصة أن ما قُدِّم في ميونيخ كان خطاباً تحدث عن كل شيء، ولم يُجب عن شيء بعينه. خطاب يرفع شعار السلام، لكنه يرفض الاعتراف بالطرف الآخر كشريك في هذا السلام، ويفترض أن وقف الدعم الخارجي وحده كفيل بإنهاء الحرب، مع الإصرار في الوقت نفسه على استمرارها حتى فرض “نصر” غير ممكن. هذه هي المعادلة الغريبة التي عبّرت، بوضوح مؤلم، عن بؤس الخطاب السياسي لنظام الخرطوم في هذه اللحظة.
النقطة الجوهرية التي ينبغي فهمها بعناية هي أن دعوة حكومة الأمر الواقع في السودان للمشاركة وإبداء الرأي في التصورات المطروحة حول الحرب، من قِبل منظمي مؤتمر ميونيخ للأمن، لا تمثل بأي حال اعترافاً بشرعية نظام الخرطوم. فهذه المنصة، في أصلها، ليست إطاراً حكومياً رسمياً، ولا تُنتج اعترافات سيادية، وإنما هي منتدى غير حكومي يُعنى بإدارة النقاشات الاستراتيجية حول النزاعات الدولية والأمن العالمي.
إن دعوة السودان جاءت من زاوية واقعية بحتة تحكم عمل هذه المنظمة، ومن فهم واضح لمهمتها الأساسية المتمثلة في الإسهام في حل النزاعات المسلحة واستقرار الأمن الدولي. وفي هذا السياق، تُعد الحرب في السودان واحدة من أكبر المآسي الإنسانية المعاصرة وأكثرها تعقيداً وتأثيراً إقليمياً، الأمر الذي يفرض—بحكم المنطق العملي—التعامل مع حكومة الأمر الواقع، بوصفها الطرف الذي يسيطر فعلياً على مؤسسات الدولة، وبهذا المعنى، فالدعوة ليست مكافأة سياسية، ولا اعترافاً دبلوماسياً، وإنما ضرورة تحليلية وعملية تفرضها طبيعة الصراع ذاته، ومحددات العمل في فضاءات الأمن الدولي وحل النزاعات.

