تقرير:حسين سعد
عندما يعبر اللاجئ السوداني الحدود، يظن أنه ترك الحرب خلفه، لكن في شمال إثيوبيا وغربها، حيث تمتد مخيمات أصوصا والمتمة وكومر وأولال على تخوم القلق، تبدو القصة أكثر تعقيدًا، هنا، لا يسمع دوي المدافع، لكن الجوع يتكلم بصوت أعلى، والمرض يتسلل بصمت، والخوف يسكن العيون، آلاف السودانيين الذين فروا من ألسنة النار في الخرطوم ودارفور والنيل الأزرق، وجدوا أنفسهم في مخيمات تفتقر إلى الدواء، ويحيط بها مسلحون، وتغيب عنها فرص العمل والتعليم. وبينما ينتظر بعضهم إعادة التوطين منذ سنوات، يعيش آخرون على حافة الانهيار النفسي.
وكشفت دراسة حديثة للمركز الإقليمي للتدريب وتنمية المجتمع المدني عن أوضاع اللاجئين السودانيين في إثيوبيا عن أزمة إنسانية مركبة تتفاقم في ظل نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة، وغياب الكوادر الطبية، وتدهور الأمن داخل المخيمات وخارجها، إلى جانب شحّ الغذاء وتعثر فرص إعادة التوطين، وغطت دراسة المركز الاقليمي أوضاع الجالية السودانية في العاصمة أديس أبابا، إضافة إلى مخيمات اللاجئين في كل من ( أصوصا، والمتمة، وكومر، وأولال) ويرصد بالأرقام التحديات السكانية والخدمية والأمنية التي تواجه آلاف الفارين من الحرب في السودان.
أزمة إنسانية عاجلة:
وبحسب الدراسة التي أطلعت عليها صحيفة السودانية نيوز، يبلغ عدد أفراد الجالية السودانية في أديس أبابا نحو 15 ألف شخص، يعيش بعضهم في العاصمة منذ سنوات طويلة بانتظار إعادة التوطين، أما في مخيمات اللاجئين في منطقتي أصوصا والمتمة، فيستضيف الموقعان قرابة 68 ألف لاجئ سوداني، بجانب وجود حوالي 9 ألف لاجئ في مخيمات كومر، وأكثر من 2 ألف لاجئ أخر في مخيم أولال، وحوالي 700 شخص في مخيم فرانسيس الذي يعتبر كمركز إستقبال مؤقت، ورصد تقرير المركز الإقليمي بالأرقام والشهادات أوضاع اللاجئين السودانيين في إثيوبيا، كاشفًا عن أزمة إنسانية ممتدة، تتطلب استجابة عاجلة ومنسقة، وكشفت تلك الأرقام حجم الأزمة بحسب البيانات المتوفرة، هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل حياة معلقة بين وطنٍ مفقود ومستقبل غير مضمون.
نقص الدواء والموت بصمت:
أخطر ما سجله تقريرالمركز الإقليمي هو إنعدام الأدوية المنقذة للحياة وغياب الكوادر الطبية، خاصة الأطباء، وسجلت في مخيمات أصوصا والمتمة، حالات وفاة بسبب عدم توفر العلاج، بجانب إنعدام الأدوية المنقذة للحياة داخل المخيمات، إلى جانب غياب الكوادر الطبية، خصوصًا الأطباء، ما يعكس هشاشة البنية الصحية في مواقع اللجوء، ويضع المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، في دائرة الخطر المستمر، وتشير نتائج مسح ميداني شمل 250 أسرة في مخيمات أصوصا بين مارس وأكتوبر 2024 إلى أن الرعاية الصحية محدودة للغاية، مع نقص حاد في مياه الشرب النظيفة وغياب شبه كامل للخدمات التعليمية، وقالت الدراسة ان مخيمات منطقة أصوصا (شيركولي، تسوري، بمباسي)، يتم توزيع المساعدات الغذائية أحيانًا كل ثلاثة أشهر، وأحيانًا كل ستة أشهر، ما يفاقم معاناة الأسر، وأوضحت الدراسة إنه في 23 مايو، نفذ 2,348 لاجئًا – باستثناء الحوامل والمرضعات وكبار السن – إضرابًا شاملاً عن الطعام احتجاجًا على نقص الغذاء. وشارك في الإضراب مرضى وذوو احتياجات خاصة، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لمعالجة التدهور الغذائي والصحي. في وقت يعيش فيه مرضى السكري وضغط الدم وأمراض القلب يعيشون في قلق دائم، وتفتقد الأمهات الحوامل للرعاية الكافية، في ظل إنتشار الأمراض المعدية مثل الملاريا والتيفويد والإسهالات تنتشر في بيئة تعاني من نقص المياه النظيفة، ووصف مسح ميداني للمركز الإقليمي شمل (250) وصف الخدمات الصحية بإنها (محدودة للغاية) بينما وصف نصف المشاركين تقريبًا الرعاية الصحية بأنها “غير متوفرة، في مثل هذه الظروف، يصبح المرض حكمًا مفتوحًا بلا دفاع.
نقص الغذاء وإضراب عن الطعام:
في مخيمات شيركولي وتسوري وبمباسي بمنطقة أصوصا، تُوزع المساعدات الغذائية أحيانًا كل ثلاثة أشهر، وأحيانًا كل ستة أشهر، حيث تعيش أسر علي الحد الأدني من البقاء، وفي 23 مايو، أعلن 2,348 لاجئًا إضرابًا شاملاً عن الطعام، احتجاجًا على نقص الغذاء، بمشاركة مرضى وذوي احتياجات خاصة، باستثناء الحوامل والمرضعات وكبار السن، كان ذلك الإضراب صرخة في وجه العالم، كذلك يواجه اللاجئون في أثيوبيا تهديدات أمنية خطيرة، خاصة في منطقة أمهرة، حيث تنتشر مجموعات مسلحة محلية وعصابات (الشفته)، التي تقتحم المخيمات وتنهب الهواتف والأموال، وفي 31 أبريل 2024، أدى هجوم مسلح جنوب مخيم أولال إلى نزوح اللاجئين من مساكنهم، واضطرارهم للنوم في الساحات المفتوحة حيث تسبب الهجوم في مقتل شخصان وإصابة خمسة اخرين وتسجيل (35) حالة سطو ، ونحو (16) حالة جسدي أثناء جمع الحطب ، فضلاً عن تسجيل (3) حالات إختطاف وتعذيب مقابل سداد فدية، هذا الواقع يجعلنا نقول بأن الأمن هناك ليس مضمون بل إحتمالاً هشاً.
حالات إنتحار …وإنهيارات نفسية:
وأشارت الدراسة إلي ضغوط نفسية وانتحارات في شمال قندر في مخيمي ترانزيت وكومر بشمال غوندار، حيث رُصدت حالات إنتحار، وإنهيارات عصبية، وفقدان للذاكرة، نتيجة الضغوط النفسية الحادة المرتبطة بتدهور الأوضاع الصحية والغذائية والأمنية، وفقدان الأمل في المستقبل، وأكدت الدراسة إن الفئة الأكثر تضررًا، هم الشباب بين 18 و30 عامًا، خصوصًا خريجي الجامعات والطلاب الذين فقدوا فرص العمل والتعليم، وأصبحوا يعيشون في حالة انتظار مفتوح بلا أفق واضح ، فوجدوا أنفسهم في خيام مؤقتة، ينتظرون مصيرًا مجهولًا، وتسبب غياب الدعم النفسي والاجتماعي جعل كثيرين يغرقون في الاكتئاب واليأس، وقالت الدراسة إن العاصمة أديس أبابا، يقيم بها بعض اللاجئين منذ 5 إلى 18 عامًا بانتظار إعادة التوطين، في ظل ظروف قانونية واقتصادية معقدة، في ظل تغييرات في نظام التأشيرات وغرامات الإقامة، ولفتت الدراسة إلي إنه في أوائل أكتوبر، ألغت السلطات الإثيوبية الإعفاء من رسوم التأشيرة للسودانيين الفارين من الحرب، وأعادت العمل برسوم تجديد تبلغ 100 دولار شهريًا، كما إرتفعت غرامة تجاوز الإقامة من 10 دولارات إلى 30 دولارًا يوميًا، بحسب تقارير 12 أكتوبر، ويربط التقرير هذه التغييرات بتزايد التوترات السياسية الإقليمية، والتصريحات الدبلوماسية المتبادلة، وقضايا إقليمية مثل ملف سد النهضة، في ظل انعدام فرص العمل، تبدو هذه الرسوم عبئًا يكاد يكون مستحيلًا.
استقطاب داخلي وغياب الوعي القانوني:
في ذات الوقت كشف المسح الميداني في مخيمات أصوصا عن انتشار خطاب الكراهية والاستقطاب الجهوي بين مجموعات قادمة من النيل الأزرق وأخرى من دارفور، إلى جانب المحسوبية في بعض جوانب الحياة اليومية، كما أظهر غيابًا واضحًا للوعي القانوني بحقوق اللاجئين، مع اعتبار حرية الحركة خاضعة للعلاقات الشخصية بدلًا من الأطر القانونية المنظمة، ويؤكد التقرير أن فرص العمل تكاد تكون منعدمة داخل المخيمات، ما يدفع اللاجئين للاعتماد الكلي على المساعدات غير المنتظمة، إضافة إلى مشتريات محلية محدودة لا تلبي الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن إنتشار أمراض مثل الملاريا، التيفويد، السكري، ضغط الدم، وأمراض النساء والإسهالات، في ظل خدمات صحية وصف 50% من المشاركين بأنها (غير متوفرة)، والبقية بأنها محدودة، في بيئة هشّة كهذه، يصبح التضامن ضرورة لا ترفًا، فالشراء من الأسواق محدود ، في ظل الإعتماد علي المعونات بشكل كامل بسبب أنعدام العمل ، لذلك بدون فرص كسب دخل، تبقى الأسر رهينة للمساعدات، وتزداد الهشاشة الاجتماعية.
توصيات عاجلة:
وناشدت دراسة المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني ناشدت الحكومة الإثيوبية، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الخيرية، والشتات السوداني، التضامن مع اللاجئين ومعالجة الأزمة الإنسانية الملحة، وطالبت بتكثيف المسوحات الميدانية لجمع بيانات أكثر شمولًا، ومضاعفة الدعم الإنساني من المنظمات الدولية، وطالبت الدراسة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والسلطات الإثيوبية بالوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وخلصت الدراسة إلى أن استمرار جمع البيانات وإطلاق المناشدات الإنسانية والتعاون مع الجهات المعنية يمثل ضرورة ملحّة لتحسين أوضاع اللاجئين السودانيين في إثيوبيا، ودعت إلي مضاعفة الدعم الغذائي والصحي بشكل عاجل، وتوفير الأدوية المنقذة للحياة والكوادر الطبية، وتعزيز الحماية الأمنية داخل المخيمات ، وإطلاق برامج دعم نفسي وإجتماعي للشباب والنساء.
الخاتمة من المحرر:
اللاجئون السودانيون في إثيوبيا لا يطلبون المستحيل، بل يريدون أمنًا لا يخترقه السلاح، وغذاءً لا يتأخر ستة أشهر، ودواءً لا يُبحث عنه بلا جدوى، وفرصة حياة لا تُؤجل إلى أجل غير مسمى، فالحرب دفعتهم عبر الحدود ، لكن المعاناة تلاحقهم في المعسكرات ، وإذا كان العالم قد اعتاد سماع أرقام النزوح، فإن خلف كل رقم وجهًا، وخلف كل خيمة قصة، فالسؤال الذي يبقي مفتوحاً : هو هل يبقى هؤلاء عالقين في منطقة الانتظار، أم يتحول التضامن الدولي إلى أفعال تعيد لهم شيئًا من الاستقرار والأمل؟
لاجئو السودان في إثيوبيا: بين شبح الجوع وتهديد السلاح وإنتظار إعادة التوطين
مقالات ذات صلة

