الخميس, فبراير 19, 2026
الرئيسيةمقالاتميرغني أبشر يكتب :السودان : مجلس الأمن يمهّد، والرباعية تستعد، والبرهان يرسل...

ميرغني أبشر يكتب :السودان : مجلس الأمن يمهّد، والرباعية تستعد، والبرهان يرسل رسالته والنظام الدولي على المحك

ما يجري الآن في أروقة مجلس الأمن الدولي اليوم الخميس بشأن الأوضاع المأساوية في السودان وتبعات الحرب الإنسانية هو، بكل تأكيد، لحظة إعدادٍ واعٍ لقرارٍ أكبر. فقد كانت الجلسة، في جوهرها، جلسة إحاطةٍ وتنسيقٍ، جلسة هندسة توافق تمهد لما بعدها بعنايةٍ وصبرٍ يتطلبهما حجم الكارثة المستمرة لثلاث سنوات. أما اللحظة الحقيقية التي يُعوَّل عليها فتنتظر يوم الجمعة، حيث يُرتقب اجتماعٌ مشترك بين الرباعية الدولية ومجلس الأمن لصياغة قرار هدنةٍ إنسانيةٍ ملزم، قد يكون أول اختراقٍ حقيقي في جدار النزاع منذ اندلاع الحرب.

لم تكن جلسة مجلس الأمن اليوم مصممةً لإنتاج قرار، وإنما مضت لتأمين شروط ولادته. استمع المجلس إلى إحاطاتٍ ميدانيةٍ مفصلة، وتقارير أمميةٍ وإنسانية، وشهاداتٍ مدنية، ووجهات نظر الدول الأعضاء، في عمليةٍ دقيقة تهدف إلى تقليص مساحة الاعتراض قبل أن يظهر النص النهائي إلى العلن.
تُعد هذه الخطوة استراتيجيةً بامتياز. ففي مجلس الأمن، لا يُكتب القرار ثم يُختبر التوافق عليه، وإنما يُبنى التوافق عليه أولاً، ثم يُكتب القرار بوصفه انعكاساً لهذا التوافق. والهدف الواضح من جلسات اليوم كان خلق أرضيةٍ مشتركة تمنع اصطدام القرار المرتقب بأي فيتو محتمل، خصوصاً من روسيا أو الصين، اللتين ظلتا في مراحل سابقة أكثر حذراً تجاه القرارات التي قد تُفسَّر بوصفها أدوات ضغطٍ سياسي أو تدخلاً في السيادة الوطنية.

المجلس، وفقاً لما تعكسه طبيعة النقاشات، يتحرك بتنسيقٍ عالي المستوى لتجنب سيناريو الفشل. فقرار هدنة لا يمكن فرضه بالقوة القانونية وحدها، ويحتاج بشدة إلى قبولٍ سياسيٍ ضمني من القوى الكبرى. لذلك جاءت جلسات اليوم كمرحلة “تهيئةٍ سياسية”، هدفها ضمان أن القرار الذي قد يصدر يكون قابلاً للتنفيذ، ومحصناً ضد التعطيل.
لذلك تتجه الأنظار الآن إلى اجتماع الجمعة المرتقب، حيث ستجلس الرباعية الدولية — الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر — مع مجلس الأمن، في محاولةٍ لصياغة نص هدنةٍ إنسانيةٍ واضحةٍ ومُلزمة للطرفين، تُبنى على أساسٍ قانونيٍ دولي، وتخضع لمظلة الأمم المتحدة، وتُراقَب عبر آليات إشرافٍ ميدانيةٍ مستمرة. وقد أصبحت هذه النقطة تحديداً محور الجهد الدولي، لضمان هدنةٍ محصنة ضد النكسات وتمتلك أسس الصمود.
التحضير لهذا الاجتماع يعكس إدراكاً عميقاً بأن فشل هذه المحاولة لن يكون مجرد إخفاق، فقد يتحول هذه المرة إلى ضربةٍ موجهة لمصداقية النظام الدولي نفسه، في واحدةٍ من أسوأ الأزمات الإنسانية المعاصرة.

في موازاة هذا الحراك الدولي، برزت إشاراتٌ سياسية داخل السودان لا تبدو منفصلة عن هذا السياق. فقد أثار قرار رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بتوجيه مراجعة حكم الرجم الصادر بحق امرأتين، وتخفيف العقوبة، اهتماماً يتجاوز الإطار القضائي المحلي.
في سياق اللحظة الدولية الراهنة، يمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها رسالةً سياسية بقدر ما هي إجراء قانوني. إنها إشارة إلى استعداد السلطة في الخرطوم لإعادة التموضع ضمن المنظومة القانونية الدولية، والاقتراب من المعايير التي تُعد مرجعيةً للدول الغربية، خصوصاً في ملفات حقوق الإنسان.
هذه الإشارة ليست تفصيلاً ثانوياً. ففي السياسة الدولية، تُقرأ الإشارات بعناية، وتُستخدم كجزءٍ من عملية بناء الثقة. وقد تُفسَّر هذه الخطوة بوصفها محاولةً لتقديم تطميناتٍ ضمنية إلى الشركاء الدوليين بأن السلطة في السودان مستعدة للتحرك نحو نموذجٍ أكثر توافقاً مع النظام الدولي، في لحظةٍ تحتاج فيها إلى دعم هذا النظام لإنهاء الحرب.

وعلى الأرض، تتراكم مؤشرات لا يمكن تجاهلها. الدعوات المتكررة لعودة المدنيين، إعادة فتح البنوك، استئناف بعض مظاهر العمل المؤسسي، وعودة البث الإعلامي من أم درمان، كلها إشارات توحي بوجود ما يشبه هدنةً غير معلنة.
الأكثر دلالة هو غياب التصعيد العسكري النوعي الذي كان يميز مراحل سابقة من الحرب، خصوصاً استخدام الطائرات المسيّرة والهجمات الاستراتيجية. هذا الهدوء النسبي لا يمكن فصله عن المناخ السياسي الدولي الحالي. ففي كثيرٍ من الأحيان، تسبق التهدئة الميدانية الإعلان الرسمي عن الهدنة، بوصفها مرحلة اختبارٍ للنوايا.

خلف هذا الحراك، يكمن بُعدٌ استراتيجي أعمق. الأمم المتحدة تدرك أن نجاحها في رعاية هدنةٍ في السودان ليس مجرد إنجازٍ إنساني، وإنما اختبارٌ مباشر لجدواها بوصفها إطاراً للنظام الدولي.
هناك إدراكٌ متزايد بأن الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل قيادةٍ تسعى لتحقيق اختراقاتٍ سريعة في ملفات النزاعات، قد تتحرك خارج إطار الأمم المتحدة إذا فشلت المنظمة الدولية في إنتاج نتائج ملموسة. وهذا السيناريو، إن حدث، لن يقتصر تأثيره على السودان، وإنما سيمتد إلى مكانة الأمم المتحدة نفسها، وإلى مستقبل النظام الدولي الذي تشكل المنظمة أحد أعمدته الرئيسية.
من هذا المنظور، فإن الجهد الحالي لا يستهدف إنهاء الحرب فحسب، وإنما يهدف أيضاً إلى الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة في إدارة السلم الدولي، ومنع انزلاق العالم نحو نماذج تسويةٍ خارج إطار الشرعية الدولية.

المؤشرات المتاحة توحي بأن روسيا والصين، رغم تحفظاتهما التقليدية، قد تكونان مستعدتين لدعم هدنةٍ إنسانية، أو على الأقل عدم استخدام الفيتو ضدها. وهذا التحول، إن تأكد، سيكون حاسماً. فالهدنة التي تحظى بقبول جميع القوى الكبرى لا تكتسب الشرعية القانونية وحدها، وإنما تكتسب أيضاً قابلية التنفيذ الواقعي.
التوافق بين القوى الكبرى هو، في نهاية المطاف، العامل الوحيد القادر على تحويل قرار مجلس الأمن من نصٍ على الورق إلى واقعٍ على الأرض.

وأخيراً، يقف السودان الآن على حافة لحظةٍ فاصلة. كل المؤشرات — الدبلوماسية، السياسية، والميدانية — تشير إلى أن هدنةً قد تكون وشيكة. هذه اللحظة ليست مجرد اختبارٍ لأطراف النزاع، إنها اختبارٌ للنظام الدولي نفسه: لقدرة الأمم المتحدة على أداء دورها، ولقدرة القوى الكبرى على تجاوز تناقضاتها، ولقدرة الدبلوماسية على إيقاف حربٍ استعصت على الحل.
القرار الذي قد يُكتب يوم الجمعة لن يكون مجرد نصٍ قانوني. سيكون إعلاناً عن اتجاه العالم: اتجاهٍ نحو إعادة تثبيت النظام الدولي بوصفه إطاراً لحل النزاعات، أو اتجاهٍ نحو مرحلةٍ تتراجع فيها المؤسسات الدولية أمام المبادرات الأحادية.
في هذه اللحظة، لا يقف السودان وحده على المحك. وإنما تقف معه فكرة النظام الدولي نفسها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات