الثلاثاء, مارس 10, 2026
الرئيسيةمقالاتد التوم حاج الصافي يكتب حين يبيع الجنرال حلفاءه

د التوم حاج الصافي يكتب حين يبيع الجنرال حلفاءه

في السياسة لا توجد مصادفات بريئة. القرارات الكبرى لا تولد فجأة، بل تأتي غالباً نتيجة صفقات صامتة وحسابات معقدة تدور خلف الستار. لذلك فإن الجدل حول تصنيف الولايات المتحدة للحركة الإسلامية السودانية تنظيماً إرهابياً لا يمكن فصله عن الصراعات التي تضرب معسكر الإسلاميين من الداخل، ولا عن حسابات السلطة التي تحكم الخرطوم اليوم.
السؤال الذي بدأ يتردد في المجالس السياسية ليس بسيطاً: هل كان القرار مجرد خطوة أمريكية خالصة، أم أن هناك من داخل السودان ساهم – بصمت أو بإشارة – في تمهيد الطريق له؟
تتجه بعض الأنظار إلى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ليس لأن هناك دليلاً معلناً، بل لأن منطق السياسة يفتح هذا الباب على مصراعيه. فالسلطة التي تبحث عن شرعية خارجية قد لا تتردد في تقديم أوراق اعتمادها عبر التخلص من عبء حلفاء الأمس إذا كان ذلك يقربها خطوة من الاعتراف الدولي.
العلاقة بين المؤسسة العسكرية وبين الإسلاميين لم تعد كما كانت في زمن عمر حسن أحمد البشير. فسنوات ما بعد سقوط النظام كشفت عن توترات مكتومة وصراعات نفوذ بين مراكز القوة المختلفة. وفي مثل هذه اللحظات يصبح التخلص من الحليف القديم أحياناً أسهل الطرق لإعادة ترتيب المشهد.
بل إن بعض المراقبين يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيرون أن ما يجري قد يكون جزءاً من صراع داخلي بين البرهان وبعض قيادات الإسلاميين أنفسهم. فإذا كان الجنرال يرى في نفوذهم السياسي عبئاً يثقل حركته في الخارج، فإن تحويلهم إلى مشكلة دولية قد يكون وسيلة مريحة لإزاحتهم من الطريق.
غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود التكتيك السياسي. فالمشكلة الأعمق تكمن في طبيعة السلوك السياسي الذي أصبح يميز قيادة الدولة اليوم. فالرجل الذي يفترض أنه يقود البلاد في واحدة من أخطر مراحل تاريخها يبدو وكأنه يترنح بين المعسكرات؛ تارة يغازل المدنيين، وتارة يقترب من الإسلاميين، وتارة يلوح برسائل طمأنة للخارج. خطوة إلى اليمين، وأخرى إلى اليسار، وثالثة إلى الخلف، في مشهد أقرب إلى البحث المحموم عن أي طريق يقوده إلى البقاء في قمة السلطة.
كأن السلطة عنده ليست مسؤولية ثقيلة بل حلماً قديماً يسعى إلى تحقيقه بأي ثمن. حلم طفولي بالجلوس على الكرسي الأعلى، حتى لو اقتضى الأمر تبديل الحلفاء، ومقايضة الأمس باليوم، وترك البلاد تدفع ثمن هذه المناورات.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من مجرد قرار أمريكي:
هل كان تصنيف الحركة الإسلامية ضربة خارجية فقط، أم أنه أيضاً نتيجة حسابات داخلية صنعها جنرال يبحث عن تثبيت سلطته بأي ثمن؟
في التاريخ السياسي كثيراً ما يسقط الحلفاء لا لأن خصومهم كانوا أقوى…
بل لأن من وثقوا بهم كانوا أول من فتح الأبواب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات