كتب:حسين سعد
في مشروع الجزيرة والمناقل، لم تكن الأرض يومًا عاجزة عن العطاء، بل كانت دائمًا في انتظار المعرفة التي تُحسن استثمارها. فبين الحواشة والمزارع كان برامج رفع إنتاجية المحاصيل والإرشاد الزراعي يقف كجسرٍ حاسم، ينقل الخبرة من الورق إلى التربة، ومن التوصيات العلمية إلى واقعٍ ينعكس محصولًا أوفر ودخلًا أعدل. هنا، حيث تتشابه الظروف وتختلف النتائج، يتجلى دور الإرشاد الزراعي بوصفه القلب النابض لأي نهضة زراعية حقيقية.
لقد أثبتت التجارب أن تحسين الإنتاج لا يتحقق بزيادة المدخلات وحدها، بل بتغيير الممارسات: اختيار التقاوي المحسنة، الالتزام بالمواعيد الزراعية، الإدارة الرشيدة للمياه، الاستخدام الآمن للمبيدات، وربط الزراعة بالمعرفة المناخية والسوقية. هذه التحولات لا تحدث تلقائيًا، بل تقودها برامج إرشاد فعّالة تضع المزارع في مركز العملية، وتعيد له الثقة في العلم كشريك لا كوصي.
تنطلق ورقة دكتور بابكر حمد أحمد (دور بـرامج رفـع إنتاجية المحاصيـل الزراعيـة والارشـاد الزراعـي في تطوير مشـروع الجزيرة) التي قدمها في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير) تنطلق هذه الورقة من أهمية برامج رفع إنتاجية المحاصيل والإرشاد الزراعي في تطوير مشروع الجزيرة والمناقل، بوصفها أدوات لإحياء نظامٍ زراعي تضرر بالإهمال والتقلبات. فهي تناقش كيف يمكن للإرشاد الحديث، القائم على الحقول الإيضاحية والتدريب العملي والتواصل المستمر، أن يُعيد للمشروع قدرته التنافسية، ويُحوّل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة، تعود بالنفع على الأرض والإنسان معًا.
توفير الامن الغذائي:
وقالت الورقة ان المشروع يساهم المشروع بأكثر من 75% من الناتج المحلً الولائي. و 25% من الناتج المحلً الاجمالي
الكلي كما يساهم في توفير الامن الغذائي لكل الشعب السوداني يعمل به أكثر من 2 مليون من العمالة الموسمية من كل ولايات السودان. يشكل المشروع 40% من مساحة القطاع المروي بالسودان و 10% من كل قطاع الزراعي كما يوفر الغذاء لولاية الجزيرة لعدد حوالي 8 مليون مواطن ، وتعتبر الإنتاجية لوحدة المساحة من اهم العوامل لاستقرار الزراعة من ناحية اقتصادية زراعية حيث
ان هناك متوسطات لإنتاجية الفدان لكل المحاصيل الزراعية يجب المحافظة عليها من التدني لأنه اذا تدنت تصبح العملية الزراعية ذات تكلفة عالية وعائد قليل فيؤدي ذلك لعزوف المزارعين عن الزراعة ،المتوسطات العالية للفدان تكون هدف لكل مزارع وذلك عبر تطبيق التقانات الزراعية والحزم التقنية الموصى بها من مراكز البحوث والجامعات والارشاد الزراعي تعتبر المتوسطات الاتية مثالا لبعض المحاصيل الزراعية كنماذج القطن 15 قنطار للفدان، الذرة 2 طن للفدان، القمح 9,1 طن للفدان ،والصويا 4,1 طن للفدان، الفول السوداني 2 طن للفدان، الطماطم 5,4 طن للفدان، البصل 8 طن للفدان
الإنتاجية المتدنية اقل من المتوسطات العالمية ترفع حد التساوى للتكلفة وتقلل الأرباح وتصبح الزراعة مهنة طاردة بالمشروع ولتطوير الإنتاجية بالمشروع يجب اتباع البرامج الموسعة لرفع الإنتاجية والتي تعتمد على:
• تبنى التقانات العلمية ومفردات الحزم التقنية بواسطة المزارعين عبر البرامج الإرشادية والزراعية .
• ضرورة إيصال مفردات الحزمة التقنية لأكبر عدد من المزارعين وذلك من خلال التوسع في برنامج رفع الإنتاجية للمحاصيل الزراعية عبر الحقول الإيضاحية والبرامج الموسعة التي تشمل آلاف الأفدنة في مختلف أقسام المشروع
• الوصول لإنتاجية عالية من الفدان تساوي إنتاجية الحقول الإرشادية وحقول البرامج وحقول البحوث.
• تشجٌٌع جهات الاختصاص على وضع الخطط والبرامج العلمٌٌة والعملة للوصول للاكتفاء الذا ت من السلع الإستراتيجية بالمشروع فخفض تكلفة الإنتاج ورفع الإنتاجية الرأسية للفدان لتوفير الأمن الغذائي لإنسان المشروع والسودان وتطوير العمل الزراعي بالمشروع عبر التوسع في برامج الإرشاد الزراعي .
• توضيح البرامج التي نفذت خلال الأربعة عقود السابقة بالمشروع وتأثيرها الإيجابي في رفعالانتاج وتبني التقانات الزراعية الحديثة بواسطة المزارعين وضرورة الاستمرار في هذه البرامج والتوسع فيها.
• تم إنفاذ عدد 36 برنامج خلال الفترة من 1992-2024 بالمشروع عبر جهات حكومية كوزارة الزراعة الاتحادية والولائية بالمشروع ومنظمات دولية ومحلية – قلوبال 2000 شركة الأقطان السودانية، سودان فاونديشن .. جمعية الجزيرة الزراعية الاستشارية. اتحاد المهندسين الزراعيين السودانيين، برنامج رفع الإنتاجية القومي ، البحوث الزراعية، شركات زراعية خاصة ، مروج للسماد الحيوي ، بلان سودان ، النهضة الزراعية.
• تم تدريب أكثر من 30 ألف مزارع خلال هذه البرامج مما ساعد في رفع إنتاجيتهم ال أعلى من المتوسطات العالمية وتطوير الاداء بنسبة كبيرة في اقسام المشروع خلال هذه البرامج.
الارشاد الزراعي وبرامجه المتعددة تعتبر رأس الرمح في تطوير العمل الزراعي بشقٌٌه النباتي والحيواني بالمشروع وذلك بدوره الفعال في توصيل المعلومات الزراعية والتقانات الزراعية الحديثة من مصادرها كالبحوث الزراعية العالمية والمحلية للجامعات، مراكز الدراسات الزراعية، خبرات وتجارب المرشدين والمزارعين المبادرين. وتوجد بالمشروع مصلحة الارشاد الزراعي التي تتبع للإدارة الزراعية، وتقوم بهذه المهام. وبها عدد من المرشدين الزراعيين يغطون معظم اقسام المشروع الثمانية عشر. وقامت المصلحة قبل خمسة عقود وتعاقب على ادارتها عدد من كبار كوادر الارشاد الزراعي بالسودان ،كانت لهم بصمات في تطوير الانتاج الزراعي بالمشروع عبر وسائل الارشاد الزراعي المختلفة مثل ،الزيارات المباشرة للمزارعين ،الاجتماعات الارشادية، الحقول الايضاحية الإرشادية الزراعة ،مدارس المزارعين الحقلية، مدارس النساء ال ريفيات، السينما المتجولة، الدورات التدريبة للمرشدين الزراعيين
نفذت مصلحة الارشاد الزراعي عبر كوادرها الفنية اهم التقانات العلمية التي اوصت بها المراكز البحثية كرسائل علمية وطبقتها على ارض المشروع كبرامج ارشادية في كل اقسام المشروع والتي كان لها الاثر الكبي في تبني الحزم التقنية عبر المزارعين ورفع الإنتاجية الرأسية للفدان حتى بلغت متوسطات فاقت المتوسطات العالم ة فً بعض المحاصيل وساهمت في
ادخال: 1/ الاصناف المحسنة كالهجين، هجين ذرة، هجين سودان ،والاصناف المفتوحة كطابت وود احمد، المايلو، الانقاذ، ارفع قدمك، بطانه، مما أوصل متوسطات الحقول الايضاحية الإرشادية ال اكثر من 2 طن للفدان
2/ الاسمدة الحديثة كالداب، السوبر فوسفات، الامونيا عبر برنامج السماد التجريبي الممول من الفاو .
3/ ادخال زراعة الذرة الشامية في المشروع عبر الحقول الايضاحية للمرشدين الزراعيين عام
1990-1993م
4/ رفع انتاجية القمح عام 1992م بالمشاركة في انفاذ برامج قلوبال 2000 وتبني حزمة قلوبال التي نفذتها منظمة قلوبال 2000 تحت رعاية الرئيس الامريكي كارتر ومركز سمت Summit بالمكسيك وعالم ومربي القمح بروف سور/ نورمان بالروج الذي حاز على جائزة
نوبل في تطوير انتاج القمح والذي تم فيه الاكتفاء الذاتي لأول مرة بالسودان عبر هذا البرنامج اذ وصلت انتاجية الحقول الايضاحية 5,2 طن للفدان )اثنان ونصف للفدان( ومتوسط المشروع 2,1 طن للفدان وزرع المشروع ) 630,000 فدان( وكان لنا شرف المشاركة في هذا البرنامجعام 1992-1994م كمرشد زراعي شمال الجزيرة .
5/ ادخلت الاصناف المحسنة للخضروات كالبصل الصنف بافطيم ذو الإنتاجية العالية التي تصل
200 جوال للفدان والطماطم صنف هجينStrain:B ال ت تصل 45 طن عبر برامج الحقول الايضاحية للمرشدين .
6/ تبنت ادخال المبيدات الحشائشية لمحاصيل الذرة والقطن والفول السوداني مما ساعد على حل مشكلة ارتفاع اسعار العمالة وتقليل تكلفة الانتاج .
7/ تبنت ادخال برامج المكافحة المتكاملة للآفات بتقليل عدد مرات الرش الكيميائي وادخال المبيدات العضوية الغير سامة بالتعاون مع مصلحة وقاية النباتات بالمشروع .
8/ تدريب نساء المزارعين والنساء الريفيات على التصنيع الزراعي المنزلي والزراعة المنزلية عبر مدارس النساء الريفيات .
9/ تبني زراعة الاصناف المحورة للقطن التي تقاوم ديدان اللوز كالأمريكية والشوكية والتي خفضت تكلفة الرش ورفعت الإنتاجية لأكثر من 15 قنطار مقارنة بالأصناف المحلية التي تنتج من 5- 6 قنطار فقط في المتوسط مما ساعد على التوسع الافقي والرأسي في زراعة القطن بالتعاون مع مصلحة اكثار البذور والبحوث وشركات القطاع الخاص من الاصناف المحورة صيني) 1(، وهجين هندي محور، مطري ومروي .
10/ تنظم الدورات التدريبية للمفتشين بالغيط والعاملين بالإدارة الزراعية على نظم الري والادارة الحقلية والسلامة الاحيائية لرفع كفاءة الاداء الحقلي .
11/ تدريب المرشدين الزراعيين بالمشروع داخليا وخارجيا حتى درجة الماجستير لرفع كفاءتهم العملية والعلمية .
برامج رفع الإنتاجية: تعتبر برامج رفع الإنتاجية من اهم الوسائل لنقل التقانات الزراعية بصورة موسعة وسريعة للمزارعين وذلك عبر تطبيق الحزم الموصى بها بحثيا في مساحات موسعة تشمل الاف الأفدنة وفي عدة مواقع يشرف على انفاذها مرشدون زراعيون ومفتشون في الغيط كما ان لها لجان مكونه من وزارات الزراعة وادارات التقانة والارشاد والري والوقاية والبنك الزراعي وممث ل المزارعين ويتم تمويل هذه البرامج من الدولة ويشارك معها احيانا القطاع الخاص والمؤسسات الزراعية في الولايات والمركز ويستهدف عمل هذه اللجان التقييم الفني لهذه ال برامج في نهاية الموسم بعد الحصاد بعد ان تكون نفذت زيارات مدانية خلال موسم انتاج المحصول المحدد من التأسيس حتى الحصاد مثلا برنامج رفع انتاجية القمح ،الذرة، القطن، الفول السوداني، الصويا، وتنفذ ورش رفع انتاجية ومؤتمرات في نهاية الموسم لتقييم انتاجية هذه ال برامج الموسعة حيث يتم التوسع في تبني هذه النتائج الموسم التالي لعشرات اضعاف ما تحققه النظم الاخرى لرفع الإنتاجية وصولا للاكتفاء الذاتي وخفض التكلفة الإنتاجية والربحية العالية للمزارعين ولتوضيح الانتاج والإنتاجية للمحاصيل الزراعية فالإنتاج يساوي مجمل انتاج المساحة من المحصول المحدد، مثلا، فدان، اربعة فدان اذا كان مجمل الانتاج يساوي 50 جوال هذٌا سمى انتاج الحواشة او الفدان اما متوسط الإنتاجية فهي كمية انتاج المساحة مقسوم علىوحدة المساحة، مثلا حواشة مساحتها اربعة فدان انتجت 60 جوال قمح
= كمية الانتاج الكلي للمساحة = 15 جوال وحدة المساحة
اذا متوسط الإنتاجية لفدان القمح يساوي= 15 جوال للفدان ويعتبر متوسط جيد
حسب المتوسطات العالمية للمحاصيل الزراعية ومتوسطات الانتاج للمحاصيل المختلفة تختلف من دولة ال دولة ومن منطقة ال اخرى حسب تطبيق الحزم العلمية الموصى بها لكل محصول من مراكز البحوث العالمية والمحلية وتقاس بوحدات طن/فدان، طن/هكتار ،جوال/فدا ن، وكلما زاد معدل متوسط الإنتاجية كلما نقص حد التساوي للمحصول المعين وزادت ربحيته وقلت تكلفته وصار الانتاج الزراعي ذو جدوى اقتصادية مربحة سواء للمزارع او الدولة والعكس اذا قل معدل الإنتاجية لأي محصول زراعي .
ساهمت برامج رفع الإنتاجية في تطوير العمل الزراعي بالمشروع برفع انتاجية المحاصيل المزروعة بالمشروع الى المتوسطات العالمية وزادت دخل المزارع، كما وصلت التقانات الزراعية وسط قطاع كبي من مزارعي المشروع نسبة 35% من جملة المزارعين وخفضت تكلفة الانتاج الى اقل حد تساوي ممكن.
حافظت على الدورة الزراعية والتربة بالرغم من وجود بعض القوانين الزراعية السلبية كقانون 2005 وذلك لقناعة معظم المزارعين بتبني توصيات الارشاد الزراعي وبرامج رفع الإنتاجية في تحسٌٌن وتطور الانتاج بالمشروع وكان لخبراء برنامج رفع الإنتاجية واللجنة القومية المكونة من 18 خبير زراعي وممثلي تنظيمات المزارعين والمكونة بقرار مجلس الوزراء عام 2013م والذي جدد عام 2020م دور كبير في تطبيق هذه البرامج الهادفة ، والتزمت اللجنة بتطبيق التوصيات الارشادية للبرامج ومتابعة انفاذ البرامج من التحضير حتى الحصاد وورش التقييم والمتابعة ولنجاح استمرارية هذه البرامج يجب توفير التمويل اللازم لها وتحسين وضع الارشاد الزراعي بالمشروع وتوفير مستلزماته وتكون ضمن خطط الوزارة ووضع ب رنامج زمني لتطوير الارشاد الزراعي بالمشروع ليصل الانتاج العالمي للمحاصيل الزراعية للوصول للامن الغذائئ المحلي والصادر للخارج . (يتبع)
إرشاد الزراعي وتطوير مشروع الجزيرة : (12)
مقالات ذات صلة

