لديبورا سكروجينز
♻️يمثل كتاب “حرب إيما” للصحفية الأمريكية ديبورا سكروجينز، الصادر عام 2002، نموذجاً متفرداً في أدب التقارير الاستقصائية والتاريخ الشفوي، حيث يندمج فيه السرد البيوغرافي العميق مع التحليل السياسي والأنثروبولوجي لواحدة من أكثر الصراعات تعقيداً في أفريقيا الحديثة، وهي الحرب الأهلية السودانية الثانية (1983-2005). لا يقتصر الكتاب على كونه سيرة ذاتية لشخصية مثيرة للجدل هي المساعدة الإنسانية البريطانية إيما ماكيون، بل يتجاوز ذلك ليكون تحقيقاً نقدياً في صناعة المساعدات الإنسانية الغربية، وسقوط الرومانسية الاستعمارية في فخ العنف القبلي، وتوظيف النخب المحلية للخطاب الإنساني لخدمة أطماعها السياسية والاقتصادية.
📖 أولاً: البنية السردية والمنهجية
◾️تتبنى سكروجينز منهجاً سردياً مزدوجاً: فهي تكتب بوصفها صحفية شهدت بعض الأحداث التي ترويها، وبوصفها باحثة تحلل مساراً زمنياً يمتد من ستينيات القرن العشرين حتى منتصف التسعينيات. يبدأ الكتاب بمشهد استهلالي قوي في مطار ناصر (Nasir) بجنوب السودان عام 1990، حيث تلتقي الراوية بإيما لأول مرة، قبل أن تتعمق في استكشاف جذور هذه الشخصية الغامضة. تعتمد المؤلفة على مزيج من الوثائق الأرشيفية، والمقابلات المطولة مع عائلة إيما وأصدقائها وزملائها في العمل الإنساني، فضلاً عن قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA) وخصومهم. هذا المزج بين السيرة الذاتية والتحقيق الميداني يمنح الكتاب عمقاً نادراً، إذ تنتقل الكاتبة بين تحليل دوافع إيما النفسية (المنبعثة من طفولتها في يوركشاير وانهيار عائلتها) والسياق التاريخي الأوسع للحرب في السودان.
📖 ثانياً: إيما ماكيون بين الرومانسية والمأساة
◾️تقدم سكروجينز شخصية إيما ماكيون (1964-1993) كأيقونة متناقضة تعكس التحولات في الوعي الغربي تجاه أفريقيا. نشأت إيما في كنف أسرة بريطانية استعمارية انهارت بعد عودتها من الهند، وانتحار والدها، لتصبح نموذجاً للشخصية التي تبحث عن “الوطن” خارج إنجلترا. انجذابها إلى السودان لم يكن فقط إنسانياً، بل كان قائماً على رغبة عميقة في الاندماج الكلي، وهو ما عبرت عنه بعبارتها الشهيرة: “في قلبي، أنا سودانية”. هذا الميل للانصهار مع “الآخر” دفعها إلى تجاوز حدود العمل الإنساني التقليدي، وزواجها من القائد النويري رياك مشار (Riek Machar) في حفل بدائي وسط المستنقعات عام 1991، وهو قرار صدم المجتمع الإنساني وأثار جدلاً واسعاً حول حيادية العاملين في المجال الإنساني.
◾️تتتبع الكاتبة تحول إيما من مساعدة إنسانية متطوعة (تعمل على إعادة افتتاح المدارس في إقليم أعالي النيل) إلى زوجة قائد متمرد، ثم إلى ناطقة باسم فصيله المنشق عن الحركة الشعبية. تظهر سكروجينز ببراعة كيف أن الرومانسية الشخصية لإيما مع رياك، والتي غذتها أسطورة نبوءة “الرجل الأعسر غير الموسوم” التي تزوج امرأة بيضاء، تزامنت مع انقسام قاتل داخل الحركة الشعبية (انفصال فصيل ناصر عام 1991) أدى إلى حرب قبلية بين النوير والدنكا، ومذبحة بور (Bor Massacre) التي راح ضحيتها الآلاف.
📖 ثالثاً: نقد صناعة المساعدات الإنسانية
🔸️يعد الكتاب واحداً من أشد الانتقادات تأثيراً لصناعة المساعدات الإنسانية الدولية. تتعقب سكروجينز كيف أن برنامج “خط أنقذوا السودان” (Operation Lifeline Sudan)، الذي كان من المفترض أن يكون نموذجاً محايداً لتوصيل المساعدات عبر خطوط النزاع، أصبح أداة في يد الأطراف المتحاربة. فقد استخدم رياك مشار وفصيله وجود إيما والعلاقات الوثيقة مع العاملين الإنسانيين لضمان تدفق المساعدات لمناطقهم، وجذب التغطية الإعلامية الدولية، وتأمين الشرعية السياسية. كما تكشف المؤلفة عن التناقض الصارخ بين حياة العاملين الإنسانيين في معسكرات “لوكيتشوكيو” (Lokichoggio) المريحة نسبياً، ومعاناتهم من شعور الذنب تجاه المجاعة الجماعية التي عايشوها، وبين موت المدنيين السودانيين بالألوف.
🔸️تطرح الكاتبة أسئلة مؤلمة حول “أخلاقيات الإطعام”: هل كان دفع الأموال للمتمردين مقابل الوصول إلى المحتاجين مبرراً؟ كيف تحولت المساعدات إلى سلاح في الصراع القبلي، حيث كانت قبيلة النوير تحصل على حصص أكبر من الإغاثة مقارنة بالدينكا؟ كما تظهر كيف أن العلاقات العاطفية والمصالح الشخصية للعاملين الإنسانيين (مثل علاقة إيما برياك مشار ) عطلت حيادية العمليات الإنسانية، وجعلت منظمة الأمم المتحدة نفسها عرضة لاتهامات بالانحياز.
📖 رابعاً: خلفيات الصراع السوداني وتحليل الفصائل
✏️لا تكتفي سكروجينز بالسرد الشخصي، بل تقدم تحليلاً تاريخياً مكثفاً للصراع السوداني، بدءاً من حملات تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر، مروراً بحكم غوردون والمهدية، وصولاً إلى اتفاقية أديس أبابا 1972 التي أنهت الحرب الأهلية الأولى، ثم انهيارها بعد اكتشاف النفط في منطقة بان تو (هجليج) عام 1978. يشرح الكتاب بدقة كيف تحولت الحرب الثانية (1983) من صراع بين الشمال والجنوب إلى صراع متعدد الأبعاد، حيث انشقت الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق (John Garang) إلى فصائل متناحرة بفعل التدخلات الإقليمية (الدعم الإثيوبي والليبي)، والنزاعات العرقية (الدنكا مقابل النوير)، والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط.
✏️وتظهر براعة سكروجينز في تحليلها لدور الشخصيات المحورية: رياك مشار الذي تصفه بأنه “قائد حالم” يتحول إلى زعيم قبلي تحت ضغط الصراع، ولام أكول (Lam Akol) السياسي الماكر، والشيخ حسن الترابي (Hassan al-Turabi) العقل المدبر للنظام الإسلامي في الخرطوم. كما تكشف عن الدور الخفي لرجال الأعمال مثل تيني رولاند (Tiny Rowland) في تمويل المتمردين والتفاوض مع الحكومة، وصولاً إلى الاتفاقات السرية التي سمحت ببدء استخراج النفط من حقول الوحدة وهجليج تحت حماية الميليشيات الحكومية.
📖 خامساً: الأبعاد النسوية والاستعمارية
🔸️يتضمن الكتاب قراءة نقدية مهمة في العلاقة بين المرأة البيضاء والإفريقي الأسود في سياق استعماري متأخر. تتساءل سكروجينز: هل كان زواج إيما من رياك تعبيراً عن حب حقيقي، أم كان امتداداً لأسطورة “المرأة البيضاء المخلصة” التي تنقذ الرجل الأسود، أو ربما كان رغبة في تحقيق ذاتها عبر تجاوز الحدود الطبقية والعرقية؟ تظهر الكاتبة كيف أن البيئة الاجتماعية في نيروبي للمغتربين البيض (التي أسمتها “وادي السعادة الجديد”) غذت نزعة إيما للمغامرة، حيث كانت زيجاتها من رجال أفارقة مصدراً للتفرد والتميز الاجتماعي. لكنها في الوقت نفسه تُظهر كيف أن هذه العلاقات كانت قائمة على تفاوت هائل في السلطة والموارد، حيث كان رياك بحاجة إلى علاقات إيما مع الصحافة والأمم المتحدة، بينما كانت إيما بحاجة إلى منحنى حياتي يخرق المألوف.
📖 سادساً: القيمة العلمية للكتاب
🔹️يكمن الإسهام الأكاديمي للكتاب في قدرته على ربط المستويات التحليلية الثلاثة: المستوى الشخصي (سيرة إيما)، والمستوى المؤسسي (صناعة المساعدات)، والمستوى الجيوسياسي (الصراع في القرن الأفريقي). كما يقدم الكتاب نموذجاً نادراً لكتابة التاريخ من منظور “الأصوات المتعددة”، حيث تلتقي روايات العاملين الإنسانيين، والصحفيين، والقادة العسكريين السودانيين، وأفراد عائلة إيما. كما أنه وثيقة مهمة لفترة انتقالية في تاريخ التدخل الإنساني، حيث كانت الأمم المتحدة تختبر لأول مرة مفهوم “الوصول إلى الضفتين” في حرب أهلية.
🔹️علاوة على ذلك، يوثق الكتاب بداية تحول السودان إلى ملاذ للإرهاب الدولي، حيث كان حسن الترابي يستضيف أسامة بن لادن وغيره من الإسلاميين في الخرطوم في أوائل التسعينيات، مما يشكل خلفية مهمة لفهم الأحداث اللاحقة.
◼️ الخاتمة
📍في الختام، يقدم كتاب “حرب إيما” أكثر من مجرد قصة مأساوية لامرأة بريطانية ضاعت في فوضى أفريقيا. إنه تحقيق نقدي عميق في آليات صناعة المساعدات، وهشاشة الحدود بين العمل الإنساني والانخراط السياسي، وكيف يمكن

