الخميس, مارس 26, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةلا تهمة لا محاكمة فقط موت. طفل ينتظر أباه: لكن التعذيب كان...

لا تهمة لا محاكمة فقط موت. طفل ينتظر أباه: لكن التعذيب كان أسرع:

قصة راشد في المنفى؟

لم يعد الموت في السودان وحده هو الخطر الذي يلاحق السودانيين، والسودانيات ، فمع اتساع رقعة الحرب وانهيار مقومات الحياة، فرّ الملايين بحثاً عن الأمان، حاملين ما تبقى من أحلامهم عبر الحدود، لكن بالنسبة لكثيرين، لم تكن رحلة اللجوء نهاية للمأساة، بل بداية لفصل جديد من المعاناة، حيث يتحول المنفى من ملاذٍ آمن إلى مساحة هشّة تُنتهك فيها الحقوق الأساسية دون مساءلة.
وفي منافي القهر، حيث يُفترض أن تكون الحدود ملاذاً لا مقصلة، يواجه آلاف السودانيين واقعاً قاسياً يتجاوز فقدان الوطن إلى فقدان الأمان ذاته. منذ اندلاع الحرب في السودان، تحوّل اللجوء إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، لا تنتهي عند عبور الحدود، بل تبدأ معها فصول جديدة من الانتهاكات والصمت الرسمي. وفي ظل غياب الحماية الكافية، يجد اللاجئون السودانيون أنفسهم عالقين بين قسوة الحرب في الداخل، وهشاشة الحقوق في الخارج، في هذا السياق المأساوي، تتكرر القصص المؤلمة عن الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وسوء المعاملة، وفي ذات الوقت تتجدد الأسئلة حول قيمة الإنسان السوداني خارج وطنه، وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية للدول المضيفة، ودور مؤسسات الدولة السودانية في حماية مواطنيها.

موت تحت التعذيب:

غير أن قصة المواطن السوداني راشد محمد عباس ليست مجرد رقم يُضاف إلى سجل الانتهاكات، بل شهادة دامغة على ما يمكن أن يواجهه اللاجئ السوداني حين يغيب القانون، وتتوارى المسؤولية، ويصمت الجميع، حيث توفي المواطن السوداني راشد محمد عباس داخل أحد المستشفيات في مصر، بعد احتجازه لأكثر من عشرة أيام، رغم امتلاكه أوراقاً ثبوتية، وقد تم توقيفه خلال حملات أمنية استهدفت سودانيين مقيمين في مصر، في ظروف لا تزال يحيط بها الغموض.
وبحسب إفادات أسرته، لم يكن راشد يعاني من أي مشكلات صحية قبل احتجازه، كما لم يتم إبلاغه أو أسرته بسبب توقيفه، ولم يُعرض على النيابة العامة، ولم تُوجَّه إليه أي تهمة رسمية، كذلك، حُرم من حقه في التواصل مع أسرته أو محاميه طوال فترة احتجازه.
وتشير روايات الأسرة إلى أن راشد خرج من منزله لشراء احتياجات يومية، قبل أن يتم توقيفه، ليختفي بعدها لأيام دون أي معلومات مؤكدة عن مكان احتجازه أو وضعه الصحي. وبعد أكثر من عشرة أيام، علمت الأسرة أنه نُقل إلى المستشفى تحت حراسة مشددة، في حالة صحية حرجة.
وفي لحظات صادمة، أُبلغت زوجته – التي كانت تستعد زيارته وحمل ملابس له – بأن حالته تدهورت بشكل خطير، وأن إحدى ساقيه كانت متورمة وقد تستدعي البتر، قبل أن يصلها خبر وفاته بعد وقت وجيز. ويوم امس الاربعاء تمت دفن القتيل حيث أكدت اسرته ان السلطات المختصة أبلغتهم بأن التقرير الطبي سيصدر بعد ثلاثة أشهر.

رواية مختلفة..

من جهته قدّم رئيس لجنة “الأمل للعودة الطوعية”، محمد وداعة، رواية مختلفة، إذ قال إن الوفاة وقعت داخل مطار القاهرة أثناء استكمال إجراءات ترحيله إلى السودان، وقبل صعوده إلى الطائرة، ما يعكس تضارباً واضحاً في الروايات الرسمية وغير الرسمية حول مكان وزمان الوفاة.

اتهامات بالتعذيب:

وفي المقابل قالت الجبهة الديمقراطية للمحامين السودانيين في بيان صحفي لها إن راشد محمد عباس جرى اعتقاله مطلع مارس الجاري بواسطة الأجهزة الأمنية المصرية، قبل أن يتم اقتياده إلى جهة غير معلومة، حيث تعرض – بحسب البيان – لـتعذيب مستمر، وحرمان من التواصل مع أسرته طوال فترة احتجازه
وأوضح البيان أن السلطات سمحت لاحقاً لأسرته برؤيته في حالة صحية متدهورة (يُرثى لها)، مشيراً إلى أن الأسرة طُلب منها تغيير ملابسه تمهيداً لترحيله ضمن ما يُعرف ببرنامج العودة الطوعية، في خطوة اعتبرتها الجبهة دليلاً على تواطؤ السفارة السودانية مع السلطات المصرية
وأضافت الجبهة أن عباس نُقل إلى المستشفى دون السماح لأسرته بمرافقته، قبل أن يُعلن عن وفاته لاحقاً متأثراً – وفقاً للبيان – بإصابات ناجمة عن التعذيب. وفي تطور لافت، رفضت أسرة الفقيد استلام الجثمان، مطالبةً بتقرير طبي رسمي يوضح الأسباب الحقيقية للوفاة.
واتهم البيان حكومة بورتسودان، عبر لجنة “العودة الطوعية”، بمحاولة “التضليل”، بعد أن ذكرت أن الوفاة حدثت في المطار، وهو ما وصفته الجبهة بأنه “رواية غير صحيحة تهدف إلى التغطية على الانتهاكات”.
ولم تقتصر الإدانة على حادثة عباس، إذ كشفت الجبهة عن وجود “عشرات المعتقلين السودانيين” داخل السجون المصرية دون إجراءات قانونية واضحة، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم.
وأكدت أن ما يتعرض له اللاجئون السودانيون في مصر يمثل انتهاكاً صريحاً لعدد من المواثيق الدولية، من بينها اتفاقية اللاجئين لعام 1951، واتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
وشددت الجبهة على أن “حماية اللاجئين ليست خياراً سياسياً بل التزام قانوني دولي”، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ومستقل في ملابسات وفاة عباس، ومحاسبة المسؤولين عنها.
دعوات للمساءلة وحماية اللاجئين ودعت الجبهة السلطات السودانية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها في حماية مواطنيها بالخارج، ووقف ما وصفته بـ”الصمت والتواطؤ” تجاه الانتهاكات، كما طالبت بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السودانيين في مصر أو تقديمهم لمحاكمات عادلة.
وفي لهجة حادة، اعتبر البيان أن “الصمت عن هذه الجرائم يرقى إلى مستوى الشراكة فيها”، محذراً من أن الإفلات من العقاب سيؤدي إلى تكرار مثل هذه الانتهاكات.

إنتهاكات للقانون الدولي:

تشير هذه الواقعة، وفقاً لخبراء حقوقيين، إلى احتمال وقوع انتهاكات جسيمة لعدة اتفاقيات دولية ملزمة، من بينها: حظر الاعتقال التعسفي دون سند قانوني، والحق في المحاكمة العادلة، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والحق في التواصل مع الأسرة والمحامي، كما تُعد هذه الانتهاكات مخالفة صريحة لاتفاقية اللاجئين لعام 1951، واتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
الخاتمة: السودانيون في خطر:
لا تأتي هذه الحادثة بمعزل عن سياق أوسع، حيث تشير تقارير حقوقية إلى وجود عشرات السودانيين المحتجزين في مصر دون إجراءات قانونية واضحة، في ظل أوضاع إنسانية متدهورة يعيشها اللاجئون السودانيون في عدد من دول الجوار لاسيما في مصر ، وقال عدد من السودانيين المقييمن في مصر إنهم تركوا الخروج خارج المنزل بسبب (الكشة) بينما أكد أخرون عودتهم للسودان حال إجازة أولادهم من المدارس، ومع استمرار الحرب في السودان، وتزايد أعداد الفارين منها، تتصاعد المخاوف من تعرض المزيد من اللاجئين لانتهاكات مشابهة، في ظل ضعف الحماية الدولية، وغياب آليات فعالة للمساءلة، إن موت راشد محمد عباس ليس مجرد حادثة فردية، يطرح العديد من الأسئلة، التي تعكس واقعاً قاسياً يعيشه آلاف السودانيين في المنافي، واقعٌ تتداخل فيه الانتهاكات مع الصمت، وتغيب فيه العدالة خلف جدران السياسة والخوف.
فكم من (راشد) آخر ينتظر مصيراً مشابهاً خلف أبواب مغلقة؟ ومن يحمي اللاجئين حين تتحول أماكن احتجازهم إلى مناطق خارج القانون؟ وأين تقف الدولة السودانية من مسؤوليتها في حماية مواطنيها، لاسيما عندما يصبح الصمت موقفاً؟ وهل يمكن للمجتمع الدولي أن يواصل تجاهل هذه الانتهاكات دون أن يتحمل نصيبه من المسؤولية؟
في ظل هذه الحرب الكارثية التي تدخل عامها الثالث بعد أقل من ثلاثة أسابيع ، حيث شرّدت الملايين، يبدو أن المأساة السودانية لم تعد محصورة داخل الحدود، بل امتدت لتلاحق أبناءها في المنافي… حيث لا ضمانة للحياة، ولا يقين بالعدالة؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات