كتب / عبدالقادر باكاش
تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مستنداً يفيد بالتصديق بمبلغ عشرة ملايين جنيه، صادر من وزير المعادن نور الدائم طه، لصالح السياسي المعروف، رئيس كيان الشمال ورئيس تنسيقية القوى الوطنية السودانية، محمد سيد أحمد سر الختم (الجاكومي). وبحسب المستند، تم دفع المبلغ من شركة أرياب للتعدين، تحت بند المساهمة في علاج (عيون) السيد الجاكومي.
في بادئ الأمر، بدا المستند أقرب إلى التزوير، في سياق حملات التسقيط والاغتيال المعنوي المتبادلة بين الفاعلين السياسيين. غير أن التحقق والتدقيق قادا إلى نتيجة مغايرة تماماً: المستند صحيح، والمبلغ تم استلامه بالفعل عبر حساب مصرفي يعود إلى نجل الجاكومي، إسماعيل الأزهري محمد سيد أحمد.
هذا التطور يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا يلجأ سياسي معروف بقدرته المالية—كما هو شائع—إلى أموال مخصصة أصلاً للمسؤولية المجتمعية، يفترض أن تُوجَّه لمجتمعات المناطق المتأثرة بالتعدين؟
في محاولة للحصول على إجابة مباشرة، طرحتُ السؤال على الجاكومي عبر مجموعة مشتركة على تطبيق “واتساب”، مستفسراً عن صحة المستند، وعن مبررات طلب العلاج على حساب أموال يفترض أنها موجهة للفئات الأكثر هشاشة. وجاء رده واضحاً: أقرّ بصحة المستند، لكنه رفض توصيف ما حدث باعتباره “مساعدة”، قائلاً إنه طلب “تصديقاً” من الوزير بوصفه ممثلاً لهم في مجلس الوزراء، واعتبر ذلك حقاً مستنداً إلى موقعه كأحد الموقّعين على اتفاق جوبا. وأضاف أنه لا يطلب مساعدة من أحد، مؤكداً أنه قدّم أضعاف هذا المبلغ دعماً للآخرين.
وفي مداخلة لاحقة، قدّم رواية أخرى لاستخدام الأموال، مفادها أنها صُرفت لتغطية تذاكر سفر لأربعة أعضاء شاركوا في اجتماع “الخماسية” بالقاهرة.
بين روايتي “العلاج” و“تذاكر السفر”، تتسع مساحة الغموض بدل أن تنحسر. فإذا كان المبلغ مخصصاً للعلاج، فلماذا استُخدم في السفر؟ وإذا كان مخصصاً لنشاط سياسي، فبأي سند قانوني تُستخدم أموال شركة عامة—خُصصت للمسؤولية المجتمعية—في تمويل تحركات سياسية؟
الأمر لا يقف عند حدود واقعة مالية، بل يتجاوزها إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والموارد العامة:
هل تحوّلت بنود المسؤولية المجتمعية إلى صناديق مفتوحة للإنفاق السياسي؟
ومن يحدد أوجه صرف هذه الأموال، وبأي معايير؟
وأين موقع المجتمعات المحلية المتضررة من التعدين من كل ذلك؟
ثم الأهم: ما هي آليات الرقابة والمساءلة التي تضمن عدم توظيف هذه الموارد خارج أغراضها المعلنة؟
إقرار الجاكومي، بدلاً من أن يغلق الملف، أعاد فتحه على نحو أوسع. فالقضية لم تعد تتعلق بصحة مستند، بل بنمط إدارة المال العام، وحدود استحقاقه، ومن يملك حق التصرف فيه.
وفي ظل غياب الشفافية، تبقى هذه الواقعة نموذجاً يثير الشكوك أكثر مما يقدم إجابات، ويضع الرأي العام أمام ضرورة طرح أسئلة لا تحتمل التأجيل.

