السبت, مارس 28, 2026
الرئيسيةمقالاتميرغني أبشر في صرخة محبوب "عبير": الذكاء يكتب للشيوعي والشارع يريد عودة...

ميرغني أبشر في صرخة محبوب “عبير”: الذكاء يكتب للشيوعي والشارع يريد عودة التيار

هنا نعرض لحادثة صعود شاب بسيط ساقه لظى المحبة إلى تسلق أعلى برج كهرباء وهو يهتف وجعاً: «يا عبير تعالي»، حادثة اجتماعية نجدها أكثر صدقاً من افتتاحية سياسية لصحيفة حزبية. فبينما كان سكان أم درمان يفاوضون شاباً يهدد بالانتحار تحت وطأة الحر والبعوض وانقطاع الكهرباء، سبقت هذه الحادثة بساعات افتتاحية صحيفة الميدان في عدد الخميس 26 مارس، والتي عرضت فيها لعودة لجنة إزالة التمكين، نص طويل مثقل بالمفاهيم الكبرى، لكنه يعاني — على نحو لافت — جفافاً شبه كامل في مخزون المفردات الفكرية الجديدة.

القراءة المتأنية للنص توحي بأن الحزب لم يكتب كلمته، فقد اكتفى واضحاً بتزويد الذكاء الاصطناعي بحزمة من الضغائن التاريخية والمسلمات الأيديولوجية القديمة، ثم ترك للخوارزمية مهمة التحرير. استخدام الذكاء الاصطناعي هنا أوضح من الشمس التي “يحرق ظلها”، فالنص متماسك لغوياً، لكنه معاصر جداً لطرائق الذكاء الاصطناعي في رصف الجملة وكتابتها.

كلمة صحيفة الحزب الشيوعي تتناول الواقع بلغة صادرة من أرشيف مغبر لا يعتني كثيراً بواقع يحترق بالحرب والتحولات الدولية.
حادثة أبراج عبير واقعة طريفة، لكنها أيضاً درساً سياسياً من زاوية رشيقة. شاب يعتلي برجاً فتُقطع الكهرباء حفاظاً على حياته، فيخرج الناس دفاعاً عن الحد الأدنى من شروط العيش: الضوء، الهواء، وقليل من النوم بلا بعوض. وبين صرخته «يا عبير تعالي» وردّ السكان الساخر «الباعوض أكل لحمنا»، تكثّف المشهد السوداني كله: شعب مرهق يبحث عن نجاة عملية، لا مماحكات كيدية متربصة تجتهد في استقطاب الشارع إلى صفها.

وهنا يعتلي التساؤل الحقيقي منبرنا السياسي حول جدوى عودة لجنة إزالة التمكين وطريقة النظر إليها، بسؤال مزدوج: هل فات على دهاقنة الشيوعي أن أدوات النضال نفسها تخضع لقانون التطور؟ وهل يمكن للصراع مع أنظمة شمولية مسنودة بقوة رجعية مخروطة جهادياً أن يُدار بذات آليات ما قبل الحرب وبمعتاد اللجان الداخلية؟
عودة اللجنة، في معناها العميق، ليست إجراءً إدارياً فوقياً ولا صدىً إعلامياً كما تحاجج كلمة الميدان، فهي عودة تمثل رمزية الثورة وخطابها المؤسس في كنس الرجعية وأدواتها من مفاصل الدولة والمجتمع. غير أن مقتضيات المرحلة الجديدة تتطلب تحرير هذه الفكرة من الهياكل المتكلسة التي يسجن الحزب الشيوعي نفسه داخلها. فبدلاً من أن تبقى اللجنة ذراع تفكيك محلي تتربص به بقايا الرجعية الإخوانية داخل أجهزة الدولة المعطوبة كما كان سابقاً، يمكن أن تتحول إلى آلية ترتبط بنظام دولي يمتلك أدوات ناجعة لتعقب حركة أموال الإسلام السياسي وشبكاته العابرة للحدود — وهي المهمة الأكثر إلحاحاً اليوم للحد من تمويل الحرب في السودان.

ولعل أهم دليل على أهمية عودة اللجنة لم يكن بيانات و«تراحيب مؤيديها»، بل ظهر واضحاً في صراخ معارضيها. فالهجوم الإعلامي العنيف واتهامات العمالة التي صدرت من أدوات النظام القديم ومن يظاهرها من يسار متساقط كشفت — دون قصد — حجم القلق من أي جسم قادر على تتبع شبكات التمويل الظاهرة والخفية.

ثم جاءت حادثة أخرى أكثر دلالة: الكشف عن استخدام جماعات مرتبطة بالإسلام السياسي، صنّفتها الإدارة الأمريكية مؤخراً ضمن كيانات إرهابية، لوثائق سودانية للتنقل الدولي. حادثة كهذه لا تمس الأمن فحسب، ولكنها أيضاً تضرب في الصميم هوية المواطن السوداني نفسها، وتحوّل جوازه إلى شبهة متنقلة. هنا تحديداً يظهر لماذا يحتاج السودان إلى جسم مؤسسي قادر على كشف هذا التنوع الخبيث في استغلال موارد الدولة وهويتها لخدمة الإرهاب الدولي.
في تلك اللحظة الرمزية — ساعة إعلان عودة اللجنة عند الواحدة ظهراً — كانت حالة شجية أوهجت جذوة الثورة الحية بزغرودة سياسية ذكية، لا لإحياء الماضي فحسب، إنما أيضاً لمنع الحاضر من الانهيار الكامل.

وعند المقارنة، تبدو حادثة أبراج عبير أكثر بلاغة من عشرات الافتتاحيات. فالشعب السوداني، المحروم والمنهك، تداعى تلقائياً لحماية شريان حياة واحد: عودة الكهرباء، كان الهدف بسيطاً: إيقاف الألم اليومي، فإذا ما استطاعت عودة لجنة إزالة التمكين — ولو بالحد الأدنى — أن تفرمل عذابات الحرب وتضرب شبكات تمويلها، فإنها تكون قد قدمت للشعب ما هو أنجع بكثير من صرخات «محبوب عبير» التي أرهقت سكان أم درمان تحت لسع الحرارة والبعوض.
وظيفة اللجنة اليوم لم تعد فقط رمي بقايا الإسلام السياسي الرجعي في مزبلة التاريخ، وهي مهمتها السابقة، فعودتها تعني تفكيك أدوات استمرار الحرب وشبكة مموليها الدولية. هذه مهمة لم تعد تحتاج إلى بوليس محلي بقدر ما تحتاج إلى «شرطي دولي» يتتبع المال قبل أن يتحول إلى رصاص.

لكن لماذا يحاجج الحزب الشيوعي الآن ضد اللجنة؟
الإجابة ببساطة: لأن الأفق الواقعي المطروح للخروج من الأزمة السودانية أصبح مرتبطاً بخارطة الرباعية الدولية. وداعمو هذه الخارطة لا يمكنهم القبول بتمدد يسار كلاسيكي يناهض ليبرالية الدولة الحديثة ليحل محل الرجعية الدينية بأيديولوجيا أخرى مغلقة. لذلك يعوّل الحزب الشيوعي — أكثر من أي وقت مضى — على السيطرة عبر واجهاته الجماهيرية على هتافات الشارع ولجان المقاومة، إذ لم يعد له سند قوي في عالم يشهد أفول الأيديولوجيات الكبرى وصعود البراغماتية السياسية.

وهكذا، بين شاب يصرخ من فوق برج كهرباء مطالباً بحبيبته، وحزب يصرخ من فوق برج نظري اهترأ بتخندقه في خطاب يتسق سياسياً مع التيار الإسلامي العريض، مطالباً بثورة تخدم هواه المخروط بماركسية فهمتها الصين وتكلس هو في عقائدية قديمة، يقف الشعب السوداني في أسفل برج الساسة، يريد عبيره وعودة تيار حياته السليبة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات