تقرير: حسين سعد
عندما انفجرت حرب منتصف أبريل الكارثية و انهارت مؤسسات الدولة ، و تحولت المدن السودانية إلى ساحات مفتوحة للخوف والنزوح والجوع، لم يكن الشباب السوداني مجرد شهود على المأساة، بل كانوا في قلبها، يقاومون بطريقتهم الخاصة. بعضهم حمل صوته في الشوارع منذ ثورة ديسمبر مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، وبعضهم حمل أواني الطعام في التكايا والمطابخ الجماعية لإطعام الجوعى، وآخرون حملوا دفاتر التوثيق والإغاثة والعمل الطوعي في الأحياء المنكوبة.
منذ ثورة ديسمبر المجيدة، أثبت شباب السودان أنهم ليسوا فقط وقود التغيير، بل صناع معناه الحقيقي. هم الذين واجهوا الرصاص بصدور عارية، ورفعوا شعارات الدولة المدنية في مواجهة الاستبداد، بصوت عالي (حرية. سلام. وعدالة ) ثم وجدوا أنفسهم بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023 أمام معركة جديدة: معركة البقاء الإنساني، وحماية المجتمع من الانهيار الكامل.
في نيروبي، العاصمة الكينية، عاد هؤلاء الشباب مرة أخرى إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من بوابة الحوار السياسي وصناعة المستقبل، عبر مؤتمر الشباب السوداني الذي انطلقت جلساته امس بمشاركة من شباب وشابات قدموا من السودان، ويوغندا، وإثيوبيا، ومصر، وتشاد، وجنوب السودان، إلى جانب مشاركين من كينيا، في محاولة لبناء رؤية شبابية مشتركة حول إنهاء الحرب، وصناعة السلام، وإعادة بناء الدولة.
مسار طويل من النضال..
المؤتمر لم يكن مجرد فعالية سياسية عابرة، بل بدا وكأنه امتداد طبيعي لمسار طويل من النضال الشبابي السوداني، من لجان المقاومة إلى مراكز الإيواء، ومن ساحات الاعتصام إلى المطابخ الجماعية، ومن الهتاف في الشوارع إلى التفاوض حول مستقبل البلاد.
الشباب الذين صنعوا الثورة
من الصعب الحديث عن السودان المعاصر دون التوقف عند الدور التاريخي الذي لعبه الشباب في ثورة ديسمبر 2018، تلك الثورة التي أعادت تعريف السياسة نفسها، وكسرت احتكار النخب التقليدية للمجال العام.
كان الشباب، نساءً ورجالًا، في مقدمة الصفوف. هم الذين نظموا المواكب، وأداروا لجان الأحياء، وصاغوا شعارات الثورة، وابتكروا أشكال المقاومة السلمية، وهم الذين دفعوا الثمن الأكبر من الاعتقالات والرصاص والانتهاكات.
لم تكن ثورة ديسمبر مجرد احتجاج سياسي ضد نظام عمر البشير، بل كانت إعلانًا اجتماعيًا واسعًا بأن جيلاً جديدًا يرفض إعادة إنتاج السودان القديم، ويريد دولة تقوم على المواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية.
ورغم الانتكاسات السياسية والانقلابات المتتالية، ظل الشباب متمسكين بمطالب الثورة، رافضين التسويات الجزئية، ومؤكدين أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق دون تفكيك بنية الاستبداد والحرب والفساد.
من الثورة إلى الحرب:
و عندما اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تغير المشهد بالكامل. انهارت الخدمات الأساسية، وتوقفت مؤسسات الدولة، وتفككت شبكات الإمداد، وتحولت ملايين الأسر إلى ضحايا مباشرة للجوع والنزوح والخوف.
في تلك اللحظة، لم ينتظر الشباب قرارات الحكومة ولا تدخل المجتمع الدولي، بل تحركوا فورًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ظهرت التكايا والمطابخ الجماعية كواحدة من أهم أشكال المقاومة المدنية الجديدة. في الخرطوم، ومدني، والأبيض، وبورتسودان، وكسلا، وولايات دارفور، تولى الشباب تنظيم حملات الطعام، وجمع التبرعات، وتوفير الوجبات اليومية للأسر المحاصرة والنازحين وكبار السن والمرضى.
كانت تلك المطابخ أكثر من مجرد مشروع إغاثي؛ كانت إعلانًا أخلاقيًا بأن المجتمع لن يترك نفسه للمجاعة. الشباب الذين كانوا يهتفون في الشوارع أصبحوا يقفون لساعات طويلة أمام مطابخ الطعام، يوزعون الخبز والعدس والماء، ويبتكرون أشكالًا جديدة من التضامن الأهلي.
وفي كثير من المناطق، أصبحت التكايا البديل الحقيقي للدولة الغائبة، خصوصًا في الأحياء التي انهارت فيها شبكات الخدمات بالكامل.

مسؤولية أجتماعية..
هذا التحول كشف مرة أخرى أن الشباب السوداني لا يتعامل مع السياسة بوصفها صراعًا على السلطة فقط، بل باعتبارها مسؤولية اجتماعية تجاه الناس وحياتهم اليومية.
في هذا السياق، جاء انعقاد مؤتمر الشباب السوداني في نيروبي كخطوة ضرورية للانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى بناء الرؤية السياسية.
الجلسة الافتتاحية شهدت حضورًا لممثلي المنظمات الشبابية ومنتديات الشباب الإقليمية، إلى جانب ممثلين من اللجنة التحضيرية للمؤتمر، الذين أكدوا أن الشباب ليسوا مجرد ضحايا للحرب، بل فاعلون أساسيون في إنهائها.
وأوضح المتحدثون أن المؤتمر يمثل منصة لتوحيد الرؤى الشبابية حول مستقبل السودان، وليس فقط مناسبة لإصدار بيانات سياسية، بل محاولة لبناء إطار تنسيقي مستدام يربط بين الشباب داخل السودان وخارجه.
من المقاومة الي صناعة المستقبل..
وأكدت الكلمات الافتتاحية أن اللحظة الراهنة تفرض على الشباب الانتقال من دور المقاومة إلى دور صناعة البدائل، وأن السودان لا يمكن أن يخرج من أزمته عبر النخب التقليدية وحدها، بل عبر إشراك الأجيال الجديدة التي دفعت ثمن الحرب والثورة معًا.
اتفقت كلمات ممثلي المنتديات الشبابية من السودان وكينيا وإثيوبيا ويوغندا وجنوب السودان وتشاد على نقطة مركزية: لا يمكن لأي عملية سياسية أو تفاوضية أن تنجح دون مشاركة حقيقية للشباب.
وشدد المتحدثون على أن تجارب السودان السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تُصنع في الغرف المغلقة وتُقصي القوى الاجتماعية الحقيقية، غالبًا ما تنتهي إلى الفشل أو إعادة إنتاج الأزمة.
الشباب طالبوا بتمثيل فعلي، لا رمزي، في أي مفاوضات تخص وقف الحرب أو ترتيبات الانتقال السياسي أو العدالة الانتقالية أو إعادة الإعمار، مؤكدين أن دورهم لا يجب أن يقتصر على الحضور الشكلي، بل على المشاركة في اتخاذ القرار وصناعة السياسات.
كما أكد المشاركون أن العدالة الانتقالية نفسها لا يمكن أن تكون مجرد ترتيبات قانونية بين النخب، بل يجب أن تنطلق من أصوات الضحايا، ومن المجتمعات المحلية، ومن الشباب الذين عاشوا الانتهاكات وشاركوا في توثيقها ومواجهتها.
مواجهة خطاب الكراهية..
من أبرز الرسائل التي خرجت بها الجلسة الافتتاحية، الدعوة الواضحة إلى وقف الحرب فورًا، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان وصول الغذاء والدواء إلى المدنيين المتضررين.
ورأى المشاركون أن استمرار الحرب لا يعني فقط المزيد من الدمار العسكري، بل يعني أيضًا تعميق الانقسام الاجتماعي، وتفكيك النسيج الوطني، وتوسيع مساحات خطاب الكراهية والعنصرية.
وأكد الشباب أن واحدة من أخطر نتائج الحرب الحالية هي تصاعد الخطاب العنصري والجهوي، ومحاولات تحويل الصراع السياسي إلى حرب اجتماعية بين المكونات السودانية المختلفة.
ولهذا شدد المؤتمر على ضرورة مناهضة خطاب الكراهية بكل أشكاله، والعمل على بناء خطاب بديل قائم على المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتنوع، والعدالة الاجتماعية، باعتبار أن السلام الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقات العسكرية فقط، بل من إعادة بناء الثقة بين الناس.
كما تناولت جلسات اليوم الأول عرض “رؤية الشباب” ومحاورها الرئيسية، والتي شملت دور الشباب في إنهاء الحرب، وبناء السلام، والعمل الإنساني، والحوكمة، والإصلاح المؤسسي.
أما اليوم الثاني، بحسب أجندة المؤتمر التي تم توزيعها للاعلاميين فقد خصص لمناقشة قضايا الاقتصاد والتنمية، والعدالة الانتقالية، والثقافة، والتعافي الاجتماعي، انطلاقًا من قناعة بأن السلام لا يمكن أن يستمر دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي اليوم الثالث، يناقش المؤتمر الشكل التنظيمي للإطار التنسيقي الشبابي، ومدونة السلوك، ومخرجات عمل المجموعات، تمهيدًا لبناء جسم شبابي قادر على الاستمرار والتأثير بعد انتهاء المؤتمر.
أما اليوم الأخير، فسيشهد اعتماد التوصيات النهائية، وتوقيع الوثائق، وإصدار البيان الختامي الذي يُنتظر أن يشكل خارطة طريق شبابية بشأن مستقبل السودان.
أهم ما يكشفه مؤتمر نيروبي هو أن الشباب السوداني لم يعد يقبل أن يكون مجرد هامش في المشهد السياسي.
هذا الجيل ( الراكب رأس ) الذي أسقط نظامًا، وصمد أمام القمع، وأدار التكايا تحت القصف، وابتكر أشكال النجاة الجماعية، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد قوة احتجاج عابرة.
هم اليوم يطالبون بحقهم الكامل في صياغة المستقبل، وفي المشاركة في العدالة الانتقالية، وفي رسم سياسات السلام، وفي إعادة بناء المؤسسات، وفي تحديد شكل الدولة نفسها.
إن تجاهل هذا الصوت لن يكون فقط ظلمًا سياسيًا، بل خطأ استراتيجيًا يعيد إنتاج الأزمة من جديد.
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي يستطيع الشباب أن يقدموه للسودان، بل لماذا لا يزال السودان الرسمي والسياسي مترددًا في الاعتراف الكامل بما قدمه هؤلاء الشباب بالفعل؟
من الثورة إلى الحرب، ومن الشارع إلى التكايا، أثبت الشباب السوداني أنهم الأكثر قدرة على حماية المجتمع عندما تنهار الدولة، والأكثر شجاعة في مواجهة الاستبداد، والأكثر استعدادًا لتحمل كلفة التغيير.
ولهذا، فإن أي عملية سياسية أو تفاوضية جادة لوقف الحرب وبناء السلام يجب أن تبدأ من هنا: من الاعتراف بالشباب شركاء حقيقيين، لا مجرد شهود أو جمهور.
كما أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تنجح دون إشراكهم، فهم ليسوا فقط أبناء هذه المرحلة، بل حراس ذاكرتها الحية، وحملة مطالبها الأخلاقية.
السودان الذي يحلم به الناس اليوم — دولة مدنية عادلة، بلا حرب ولا عنصرية ولا جوع — لا يمكن بناؤه دون الشباب، لأنهم ببساطة لم يكونوا يومًا مستقبل البلاد فقط، بل كانوا دائمًا حاضرها الأكثر شجاعة.

