الصادق ادم محمد
نقد منظور الصراع الطبقي
تعود علاقتي بكتابات هشام عمر النور الى العام 2006 حين كنت في الخرطوم. ما قربني الى كتاباته ومتابعتها هو اهتماماته الفكرية الجادة بالحداثة وما بعد الحداثة والنظرية النقدية أو مدرسة فرانكفورت. أيضاً اعرفه استاذا للفلسفة بجامعة النيليين ومناضلا ضد الجبهة الاسلامية. ما يهمنا في هذه المساحة هو آراء ووجهات نظره الواردة في ورقة له حملت عنوان- نقد ايديولوجيا صراع الهويات سودانيا – وذلك في كتاب للمؤلف تحت عنوان – النظرية النقدية في الممارسة ، رؤية مغايرة لبعض قضايانا المعاصرة – .
ينظر هشام الى منظور صراع الهويات كتزييف للواقع ، وتندرج افكاره عن طبيعة الصراع في السودان ضمن منظور الصراع الطبقي
- يرى أن ما يسميه هو ب- ايديولوجيا الهامش – هي ايديولوجيا مماثلة لايديولوجيا المركز وذلك للأسس الفكرية المماثلة التي تتأسس منها الايديولوجيتين.
- يتناول وجهات نظر كل من د. جون قرنق وفرانسيس دينق كنماذج لما سماه – المركزية الأفريقية –
لن أتعرض للنقد الموجه لفرانسيس دينق لأنني و على عكس هشام لا اضعه في سلة فكرية واحدة مع د. جون قرنق.
يركز النقد الأساسي الذي وجهه هشام الى أفكار قرنق المتعلقة بأزمة الهوية الوطنية في سودان مابعد الإستعمار ويقول في ذلك :
,, إن ايديولوجيا المركز والهامش تجعل الهامش كله كتلة واحدة في مقابل المركز الذي هو أيضا كتلة واحدة. وهذا غير صحيح تاريخيا واجتماعيا ، فالمركز به قوى اجتماعية تترابط مصالح تحررها مع مصالح قوى موجودة في الهامش ، فمثلا وببساطة شديدة ، هناك نساء وعمال ومزارعين يقع عليهم قمع اجتماعي في المركز والهامش معا ، بل إن النساء في الهامش يتم قمعهن من قبل قوى قومية تتحدث عن مستقبل السودان وتنخرط في الدعوة للسودان الجديد “”11
منذ البداية ، تعاني كتابات منظور الصراع الطبقي للصراع في السودان من أزمة فكرية بنيوية تتمثل في السجن المفاهيمي وذلك بعجزها للنظر للقضايا والأزمات خارج نموذج تفكير المركزية الاوروبية. لم تستطع تلك المنظورات تقديم تنظيرات وحلول تلائم بيئتنا وواقعنا لأنها تفتقر الى النقد في التعاطي مع الفرضيات الميتافيزقية للفكر الاوروبي كمنتوج بشري له ظروف نشأته ويصعب فصله عن الإستعمار والامبريالية. لقد تعرضت الماركسية لنقد جزري ولم تعد مقولات الصراع الطبقي أدوات مفهومية تصلح للدفع بقضية التحرر والعدالة إلى الأمام. بالإمكان تتبع هذا النقد الجواني عبر فلسفات ما بعد الحداثة والبنيوية وما شابه. أما الأكثر أهمية فهو النقد البراني الذي وجه من العموم افريقيين ومفكري الجنوب العالمي التحررين. بالرجوع الى حديث هشام اعلاه ، وكما اوضحنا من خلال السرد التاريخي لتشكل المركز والدور الذي لعبه الإستعمار وتجارة الرقيق في ذلك ، الدولة المركزية التي ساهمت عدة عوامل في تشكلها بهذه الطريقة هي الأزمة الحقيقية التي اعاقت تقدم البلاد. دائما وجدت أشكال مختلفة من المقاومة والثورة لتغير هذه الوضعية كحركة اللواء الأبيض ، الكتلة السوداء ، اتحاد عام جبال النوبة ، اتحاد عام شمال وجنوب الفونج ، سوني والحركة الشعبية لتحرير السودان، إلا أن هذه الاشكال للمقاومة والثورة وبسبب اختلاف ظروف ودواعي نشأتها التي تختلف عن تلك الخاصة بالمركز ، لم تعمل ضمن ايديولوجيا عنصرية. كذلك يكشف مساواة القمع الذي يقع على نساء المركز ونساء الهامش عن وعي غير نقدي في التعامل مع النسوية الغربية ونظرتها لنساء – العالم الثالث – ، لقد قاد النقد الذي قدمنه نساء -العالم الثالث – والنساء السود للنسوية الغربية الى الكشف عن قصور وخلل بنيوي في التبني اللانقدي لمصطلح النسوية ونموذج تفكيرها في تناول قضايا النساء ، وذلك بتركيزها على مفهومي – الجندر – و- الاختية – وتجاهل عامل العرق ، الطبقة ، واللون. في السودان ، وبالتركيز على عنصرية الدولة ، تنظر الدولة ومجتمع الى نساء الهامش ك _ عبدات _ و – سبايا. تختلف البطرياركية كمفهوم وممارسة عن العنصرية القائمة على العرق واللون. دولة مابعد الإستعمار في السودان مؤسسة عنصرية تجاه نساء الهامش قبل أن تكون بطرياركية. أي نقاش حول قضايا النساء يتجاهل العبودية التي مارستها دولة مابعد الإستعمار في السودان لن يصل إلى خلاصات بامكانها المساهمة في الدفع بتلك القضايا الى عتبة التحرر.صراع المركز والهامش في السودان حقيقة موضوعية واستبداله من الناحية النظرية ليس مسألة مزاجية أو يجب أن لا يكون كذلك ، حتى الحرب التي بدأت في 15 ابريل تؤكد قوة تحليلات واستبصارات أبكر في كتابه سالف الذكر. تحول الواقع عبر جدل السيرورة والصيرورة هو الذي سيقود إلى تجاوز _ جدلية المركز والهامش _ ، وكما ذهب الى ذلك كابرال ، فإن الواقع هو المنتج للنظرية وليس العكس. وضع هشام العربة أمام الحصان. يضيف المؤلف في موضع آخر :
,, ويتضح الإلتباس أكثر في التحليل الذي يذهب الى أن السودان قام منذ الاستقلال على شوفينية اثنية ودينية ، واي شكل من الشوفينية يقود الي الفاشية ومن ثم فإن ما يحدث في السودان يشبه ما يحدث في ايطاليا الفاشية والمانيا النازية وما حدث في جنوب افريقيا رغم أنه تشابه جزئي. صحيح أن الفاشية والنازية والنظام العنصري في جنوب افريقيا انظمة شوفينية كما هو نظام الاصولية الاسلامية في السودان ، ولكن من الضروري أن نتذكر أن مقاومة هذه الأنظمة لم يتم على أساس عنصري أو قومي أو على أساس صراع الهويات ، بل على العكس تمت المقاومة وفهمها المقاومون على اعتبار أن اسسها اقتصادية _ سياسية واجتماعية. وهذا يعكس مقدار الإلتباس الذي يتسم به مشروع الحركة وقائدها د. جون قرنق لتحرير السودان.,,12
التشابه بين سودان الجبهة الاسلامية كاخر تجليات دولة مابعد الإستعمار في السودان ليس تشابها جزئيا إذا نظرنا الى هذه الأنظمة كمؤسسات عنصرية قائمة على ايديولوجيات ونظريات لا ترى في الآخر المختلف سوى عقبة يجب ازالته وابادته من الوجود وبكل السبل المتاحة. نعم لم تكن المقاومة عنصرية ، لكن كان للهوية واللون الدور الرئيسي في الصراع في جنوب افريقيا ، توضح تجربة جنوب افريقيا خطل الموقف الشيوعي الداعي الى وحدة عمال العالم مع تجاهل عنصرية العمال البيض. كان اللون كعامل في الصراع اكثر حضورا من الطبقة في جنوب افريقيا ، هنا يتبادر الى الذهن حركة الوعي الأسود وقائدها ستيف بيكو بانتو ونضاله المستميت ضد العنصرية البيضاء و تقف رحلة مانديلا النضالية دليلا على تلك العنصرية. لا يوجد فرق بين حرق القوات المسلحة السودانية ومليشياتها لأطفال الجنوب ، النوبة ، الفور ، المساليت ، الفونج والبقارة وحرق هتلر لاطفال اليهود.
الاسس النظرية لمشروع السودان الجديد مستمدة من واقع السودان وليست تطبيقات آلية لنظريات تأسست على نقد وضعيات تاريخية مختلفة. القوى _ الحديثة _ في السودان عجزت عن تطوير الماركسية بالطريقة التي تمكنها على تقديم وجهات نظر ورؤى تختلف عن تلك الخاصة بالماركسية الاقتصادوية ، على العكس من ذلك ، كانت الماركسية في السودان ومازالت دغمائية وارثوذكسية بعيدة كل البعد عن المنتوج الفكري والارث النضالي لحركة عموم افريقيا ، بل كان تعاطي الاستاذ عبد الخالق محجوب مع مفهوم الاشتراكية الأفريقية ينم عن جهل كبير بطبيعة المجتمعات الأفريقية وذلك في كتابه _ المدارس الاشتراكية في افريقيا _ .
في اطار دفاعه عن ثنائية القوى الحديثة والقوى التقليدية في واقع السودان يقول هشام :
” هذا النفي لمشروع الحداثة هو الذي جعل قرنق في حواره مع القوى الحديثة يوجه تساؤلا مستنكرا ومستفزا لقوى التقدم والحداثة عن ماهية مظاهر الحداثة في أطروحاتهم. وهو استنكار ، للأسف ، ينفي ما انجزته القوى الحديثة كظاهرة اجتماعية واضحة في السودان لها اضافاتها في الحياة السودانية ، منها ما يخص المجتمع المدني أو ما قام به الحزب الشيوعي على صعيد النقابات واتحادات الشباب والنساء ، أو ما يسميه الحزب الشيوعي بالقطاع الحديث ، ومنها ما يخص مساهمتها في ترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والدور الحاسم الذي لعبته في صياغة البرنامج الديمقراطي الاجتماعي ، برنامج السودان الجديد حقاً ، ولا يخفي تأثير هذا البرنامج على الحياة السياسية في السودان بما في ذلك تاثيره على الحركة الشعبية نفسها.”13
القول بوجود قوى حديثة في الواقع الذي يتحدث عنه هشام قول مضلل فكريا ويتناقض مع منطق الحداثة الاوروبية نفسها ، السمة الرئيسية لمجتمعات ما بعد الإستعمار هي أنها مجتمعات عشائرية ما قبل رأسمالية يتمفصل فيها العرق، الطبقة ، اللون ، والدين لتشكل موانع هيكلية لبعض المجتمعات وتعمل بالمقابل كامتيازات لمجتمعات أخرى. القطاع الذي يصنفه اليسار في السودان كقطاع حديث هو الأكثر عنصرية وتقليدية في مواقفه من الاخر المختلف. دعونا نقف قليلاً عند النقابات والاتحاد النسائي. في الواقع يعكس تكوين النسائي في 1952 ما ذهبنا اليه من عشائرية وطائفية هذه الاجسام وافتقارها الى القاعدة الاجتماعية والمؤهل الفكري الذي يمكنها من تمثيل كل السودان. تكون الاتحاد النسائي منذ البداية من نساء وسط وشمال السودان وبالتالي دافع عن القضايا التي تتصدر اولوياتهن ولم يسعى الاتحاد الى أي معرفة حقيقية بهموم وقضايا النساء في الاجزاء الاخرى من البلاد. وقد تكونت عضوية الاتحاد من قريبات وزوجات اعضاء الحزب الشيوعي السوداني ، وكانت اهتماماتهن الشلوخ وختان الاناث وما الزي المناسب الذي يجب أن ترتديه فاطمة احمد ابراهيم وما شابه من المشكلات التي تواجه النساء المسلمات في الوسط والشمال. تقول سوندرا هيل ، وهي باحثة ماركسية اميريكية مهتمة بقضايا النساء في السودان
” لم تكن القضايا التي شجعت عضوية الاتحاد على مواجهتها ، في العادة ، مصالح نوعية إستراتيجية للنساء _ أي نسوية _.” 14
تؤكد سوندرا هيل في كتابها الموسوم ب _ السياسة والنوع الاجتماعي _ الجندر _ في السودان ، الاسلاموية ، الاشتراكية ، والدولة _ ، أن الحزب الشيوعي حين تعلق الامر بقضايا النساء وموقعها من التغيير كان تطهريا ومتواطئا مع المواقف الدينية من تحرر النساء ، وتقول في ذلك :
” بعد سنوات من الحديث مع المئات من اليساريين السودانيين من النساء والرجال ، اصبح واضحا بالنسبة لي أنه حتى رجال الحزب الشيوعي حاولوا تسخير النساء ، في اطار الثقافة ، لتقديم الخدمة الأفضل لمصالح الرجال. فكل من الحزب الشيوعي السوداني والاتحاد سعيا لموضعة النساء ليكن حارسات للاخلاق ومعايير الحزب والمجتمع.”15
لم يمتلك الاتحاد مشروع فكري واضح المعالم وعمل على قاعدة رزق اليوم باليوم ، ولم يتطرق الى قضية ارث الرق واثاره على وضعية النساء في المجتمع رغم أن الاحصائيات في هذا الخصوص تؤكد بأن عدد المسترقات كان أكبر بكثير من عدد المسترقين. يكتب سيكينجا
” في اقليم دنقلا على سبيل المثال ، قدر عدد العبيد ب 15,468 في بداية هذا القرن ، كان 9,908 منهم من النساء و 5,560 من الرجال.”16
بخلفيته الفكرية الأصيلة ومخياله الاجتماعي الواسع ، استطاع د. جون قرنق تشخيص هذه المشكلات بدقة.
الآن ، وبعد الاستبصارات القوية للكاتبة كلينورا هدسون وييمز ، بالإضافة إلى التطورات الفكرية الأخرى في هذا المجال ، لن تفيد الماركسية كمرجعية للتأطير النظري لقضايا النساء في السودان.
لم يكن الوضع مختلفا في النقابات التي ظهرت في أربعينيات القرن العشرين ك_ هيئة شؤون العمال _ ، اتى تعاضد العمال كنتيجة طبيعة لصلات القرابة التي تربطهم. مرة أخرى يقول سيكينجا :
” أغلبية عمال عطبرة كانوا مهاجرين من الاقليم الشمالي الذي يسكنه الجعليين ، الشوايقة ، المناصير ، الرباطاب والدناقلة. معظمهم كانوا فلاحين هاجروا الى عطبرة للهروب من الظروف الاقتصادية الصعبة في الاقليم. باستثناء الدناقلة ، تقريبا جميع هؤلاء المهاجرين كانوا من المتحدثين باللغة العربية المنتمين للطائفة الختمية. في كلمات اخرى ، كان لعمال السكة حديد في عطبرة خلفية اثنية ، اقليمية ، وثقافية متجانسة.”17
وهكذا لم يختلف الوضع بعد 1956 كامتداد للبنية المختلة التي بدأت تتشكل منذ 1821.
يتجلى السجن المفاهيمي عند هشام في فهمه لفسفة الهوية. يختلف مفهوم الهوية كموضوع فلسفي والهوية كموضوع للعلوم الاجتماعية ، الماهية أو الجوهر أو الهوية كموضوعات للفلسفة ، واصل النقاش حولها في اطار النقاش الجواني الاوروبي و برزت الى الوجود مفاهيم _ اللاهوية _ في فلسفة مابعد الحداثة ، وهي فلسفة فردانية في بيئة رأسمالية ، ولذلك يصبح مفهوم _ اللاهوية _ اداة تحليلية غير صالحة لتوظيفها في دراسة مجتمع لم يشهد _ الحداثة _ بعد. التمسك الأعمى بالمنجز الفكري الاوروبي هو أحد ازماتنا التي لا تحصى ولا تعد. التحرر هو تحرر فكري قبل كل شيء. جهاز الدولة في السودان تأسس على على ممارسة العنف المادي والرمزي ضد مجموعات سودانية بعينها لذلك لا يفيد كثيرأ الاستعانة بالفلسفات والنظريات الفردانية في تحليل وضعية تاريخية أكثر تعقيدا.
بعد حديث مطول عن أهمية تطوير الماركسية لتواكب المستجدات الفكرية والسياقات الاجتماعية المختلفة ، يصل الراحل محمد ابراهيم نقد ، وهو قيادي شيوعي مشهور عمل سكرتيرا عاما للحزب قبل وفاته ، الى الخلاصة التالية :
” لكن السودان يعرف الفوارق الطبقية في اشكالها الثابتة ومن واقعه المتخلف ، ومن مستوى قواه النتجة ، ومن ثنايا الهياكل القبلية المستقرة والبدوية ، ومن أدوات ووسائل كسب العيش على بساطتها وبدائيتها ، وانماط ملكية أو حيازة الأرض والقطيع والرقيق في زمن سالف! فضلا عن عوامل أخرى جغرافية واجتماعية وتاريخية تتحكم في ملامح وقسمات تلك الفوارق ومستقبلها.”18
خلاصة في غاية الدغمائية والجمود الفكري. الفوارق الفردية موجودة حتى في المجتمعات التكافلية التي لا تعرف الملكية الفردية والصراع الطبقي ، تنتج تلك الفوارق الفردية من عوامل تتعلق بالافراد كالكسل والاجتهاد وما إلي ذلك ، أما الطبقة بالمفهوم الماركسي فهي عبارة عن فوارق بنيوية ترتبط بانظمة هيمنة واقصاء . ماركس مفكر صاحب جدارات كبيرة ولكن ذلك النقد مرتبط بواقع أوروبا الرأسمالية في ذلك الزمان. كما ذكرت ، المجتمعات السودانية خصوصاً الجماعات التي يطلق عليها الحزب الشيوعي السوداني _ القطاع الحديث _ هي مجتمعات عشائرية وطائفية والانقسامات فيها لا تقوم على أسس طبقية. الطبقية في دولة مابعد الإستعمار طبقية مؤثننة وليست لها علاقة بما كتبه ماركس في السياق الاوروبي. الشيء الأهم هو أن الرأسمالية بنية كلية تشمل الثقافة والفكر وليست مجرد نظام لإدارة مصانع البسكويت واللبن. تجارة الرقيق التي اشار إليها نقد كموضوع سالف هي اس الازمة السودانية ومازالت اثارها الثقافية ، الاجتماعية والاقتصادية ماثلة اليوم. دولة مابعد الإستعمار في السودان دولة عبودية بامتياز.
لا يمكن الافادة من منجزات وتعميمات النظريات إلا انطلاقا من مركزية واقعنا. من الواضح أن التعاطي الصحيح مع المستجدات الفكرية والدراسة العميقة للواقع ستؤدي الى التخلي عن مفهوم الطبقة في سياق السودان ، بعدها لن يكون السؤال: أي حزب للطبقة العاملة ؟ بل: هل الصراع في السودان طبقي يستدعي تنظيم النضال على ذلك الأساس ؟ سيساعد السؤال الاخير الحزب الشيوعي السوداني في وضع الحصان أمام العربة ، وهي المهمة التي صعبت على الحزب طوال تاريخه.
4_ قضايا الهوية الوطنية في مشروع السودان الجديد
ساتناول في تحت العنوان الفرعي اعلاه نقطتين رئيسيتين: المخيال الاجتماعي للد . جون قرنق ، والسودان الجديد كتقويض لدولة مابعد الإستعمار في السودان.
أ_ جون قرنق ومخياله الاجتماعي
من هو جون قرنق ؟
ولد قرنق مبيور اتيم اروي في 1945 في قرية وانقولي _ بوك _ ، ولاية جونقلي ، اقليم اعالي النيل الكبرى بجنوب السودان ، ينتمي إلى قبيلة الدينكا ، أمه هي قاك ملوال واباه هو مبيور اتم ارواي . كان قرنق هو الطفل الرابع في الأسرة وقد توفى والده وهو مازال صغيراً. في هذه القرية ، وكجميع الأطفال ، عمل راعيا للاغنام والابقار قبل دخوله المدرسة.
التعليم
في 1953 أخذه ابن عمه الى منطقة تونج وادخله المدرسة ، بعد اكماله المدرسة الاولية في تونج ، تم قبول قرنق بمدرسة بوسيري في واو وكان ذلك في 1957. في 1961 سافر قرنق إلى الخرطوم وعمل في أعمال البناء بأجر بلغ 9 جنيه سوداني في الشهر. بعدها ذهب الى النيل الأزرق وعمل في بناء سد الرصيرص وذلك لجمع المال الذي سيمكنه من مواصلة الدراسة. في 1962 تم قبوله بمدرسة رمبيك الثانوية وتركها في نفس العام بعد إغلاق المدرسة بسبب مظاهرة للطلاب.
كان قرنق شابا ذو طموحات عالية وقارئ نهم يقرأ كل كتاب يقع في يده . في 1962 سافر بصحبة أجانق ألاك و مجوك ايوينق الى اثيوبيا بحثا عن التعليم ، استطاع ايجاد فرصة لمواصلة التعليم في تنجانيقا ، ذهب الى دار السلام ومن هناك اكمل تعليمه الثانوي . عاد بعدها الى كينيا وعمل مدرسا للرياضيات في احدى المدارس الثانوية ، ومن هناك طار الى الولايات المتحدة كطالب بكلية جرينيل ، جامعة ايوا التي تخرج منها متخصصا في الاقتصاد الزراعي. بعدها عاد الى السودان وأخضع نفسه للتدريبات العسكرية كمقاتل في حركة انيانيا 1 التي انضم إليها في 1962.
في 1981 نال درجة الدكتوراة من جامعة ايوا وكانت أطروحتها حول استراتيجيات التنمية الريفية المناسبة لمشروعات منطقة جونقلي.
موقفه من اتفاقية اديس ابابا 1972
مع بداية محادثات السلام بين حكومة مايو وحركة انيانيا 1 في 1972 سافر قرنق إلى اديس ابابا للمشاركة في التفاوض وكتب رسالة شهيرة الى الجنرال جوزيف لاقو معبرا عن اعتراضاته وتحفظاته على الاتفاقية. بعد التوقيع على الاتفاقية تم استيعابه في القوات المسلحة برتبة النقيب وبدأت استخبارات نظام مايو في رصد تحركاته. ولاضعاف نفوذه السياسي ومحاولة استمالته ، ارسل الى دورة عسكرية في الولايات المتحدة واكملها بنجاح محرزا المركز الثالث ضمن 200 طالب ونال درجة الماجستير في العلوم العسكرية ، بعد عودته الى السودان تم ترقيته الى رتبة العقيد. في حوالي 1974 تزوج من ربيكا وانجبا 6 أطفال. في 1978 عين مدربا بالكلية الحربية السودانية وفي نفس العام سجل لتحضير الدكتوراة في جامعة ايوا التي اكملها في 1981 ، عاد الى البلاد وعمل محاضرا بكلية الزراعة جامعة الخرطوم حتى ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان في 1983.
د. جون قرنق قائدا ومفكرا للثورة السودانية
كما رأينا ، كان النقيب جون قرنق مدركا للخلل البنيوي في اتفاقية 1972 ، بالرجوع الى تلك الرسالة التاريخية التي اوضح فيها رأيه في الإتفاق كان قرنق واضحا في رفضه لدمج قوات انيانيا 1 في القوات المسلحة. رغم العراقيل التي وضعها نميري امامه ، كان قرنق من النوع الذي لا يعرف الاستسلام ، وفي كل منطقة أو موقع نقل إليه ، واصل العمل بما يؤمن به وهو أهمية التغيير الجزري وبناء وطن للجميع حتى تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان في 1983 . منذ البداية ، واجه د. جون قرنق العديد من العقبات استطاع تجاوزها والمضي قدما الى أن وقعت الحركة على اتفاق للسلام مع حكومة الحركة الاسلامية في 9 يناير 2005اصبح بموجبه النائب الأول لرئيس الجمهورية. وافته المنية في حادثة تحطم طائرة لم يكشف عنها الكثير حتى الآن وكان ذلك في 30يوليو 2005.
لابد وأن هذه الرحلة الطويلة من الكفاح التي بدأت منذ الصغر كانت لها دور كبير في تشكيل مثقف ومناضل سيكون له أثر عميق في تاريخ السودان. بالإضافة إلى معرفته الواسعة بتاريخ افريقيا والسودان ، من الواضح أن سنوات تنزانيا قد اضافت الكثير لشخص أصبحت قضيته الأساسية هي التحرر. من تنزانيا أصبح قرنق لصيقا بالاشتراكية الأفريقية والبان افريكانيزم. يقول عنه الراحل ادوارد لينو:
” الشخص الاول الذي حرره د. جون قرنق بامتياز هو نفسه. لقد نجح في تحرير نفسه من الجهل في معناه الاوسع منذ أن كان شابا.”19
ولولعه بالقراءة اطلع قرنق على أعمال شيخ انتا ديوب عن حضارة كيميت ، مصر القديمة ، والتاريخ الافريقي بشكل عام. أيضاً كانت فترة الدراسة بتنزانيا مثمرة في أنها كانت فرصة الالتقاء بمفكري ومناضلي حركة عموم افريقيا كأميلكار كابرال ، وولتر رودني ، اوغيستينو نيتو واخرين. أيضا كان للوجود بالولايات المتحدة في الستينيات ، حيث كانت نضالات حركة الحقوق المدنية في أوجها تأثير كبير على وعي ومخيال جون قرنق.
بالمقاربة بمفهوم المخيال الاجتماعي عند رايت ميلز ، وهو ” قدرة الفرد ، من خلال التخيل ، على موضعة سيرته الذاتية في الفضاء التاريخي والفضاء الاجتماعي لفهم مشاكله “20 ، يصعب الحديث عن سعة وحدود المخيال الاجتماعي للد. جون قرنق.
إن مفهوم المثقف العضوي الملتزم بقضايا مجتمعه تتجسد في شخصية قرنق أكثر من أي سوداني اخر على مر تاريخ السودان الحديث. كان ثوريا مرهف الحس حاد الذكاء واسع المخيال الاجتماعي ، بالإضافة إلى ذلك ، لقد كان متواضعا ، واضحا ، ومباشرا يمقت _ اللولوة _ والاكاذيب. مرة أخرى يقول الراحل ادوارد لينو:
” في اجتماعه الاول مع رئيس الوزراء الصادق عبدالرحمن المهدي في اديس ابابا ، ذهب الرجلان في ماراثون تفاوضي استمر ل 8 ساعات ، وطلب رئيس الوزراء الصادق المهدي من د. جون قرنق التصريح بانهما قد اجتمعا لساعتين فقط. قال د. جون قرنق بأن ذلك غير صحيح ، ” سيكون عدم اخبار الناس بالحقيقة كذبة كبيرة” لا يمكننا البداية باخبار الناس شيئا ما بعيد عن الحقيقة.”لماذا لا نخبرهم بأننا قد اجتمعنا ل 8 ساعات ” كان رئيس الوزراء متضايقا. اندهش من ما قاله د. جون قرنق وغادر الاجتماع مرتبكا.”21
كان عسكريا محترفا قاد العديد من المعارك بنفسه وكسبها. كذلك لم يكن _ افنديا _ يسعى الى تحسين اوضاعه الشخصية على حساب الاخرين. في 1983 ، بعد تحركه وانضمامه للاحراش ، سأل جعفر نميري الجنرال جوزيف لاقو عن ماذا يريد جون قرنق بعد كل الذي _ منحناه _ من موقع ورتبة كبيرة ومحاضر بجامعة الخرطوم ، كان رد لاقو أنه منزعج من من الذي يحدث في البلاد من كشات وعنصرية ممنهجة ، لم يكن قرنق ذلك الشخص الذي ظنه نميري ، كان مخياله الاجتماعي اوسع من أن يفهمه نميري وامثاله من المهرجين.
تأثر د. جون قرنق بأفكار كبار مناهضي الإستعمار في افريقيا كنكروما وكابرال لذلك ، السودان الجديد كتقويض لدولة مابعد الإستعمار في السودان ليس هاجسه الرئيسي الابقاء على الحدود الاستعمارية التي ورثناها على حساب الشعوب التي ظلت مضطهدة ، السودان الجديد يبنى على الوحدة التي تشترط علمانية الدولة وهذا ما ترفضه الجماعات الريعية التي يصنفها الحزب الشيوعي السوداني ك _ قطاع حديث _ وهي جماعات تأول الاسلام بطريقة تبرر بها هيمنتها. هناك تناقض في القول باهمية الحدود الموروثة من الإستعمار ورفض مبدأ علمانية الدولة. لعبت الشريعة الاسلامية دورا رئيسيا في تقسيم السودانيين الى سادة وعبيد ، في هذا السياق ، الدولة الدينية هي بالضرورة دولة عنصرية.
ب_ السودان الجديد: تقويض دولة مابعد الإستعمار في السودان
تعد مشكلة الهوية الوطنية في سودان مابعد الإستعمار اس الازمة ، حيث افتراض تطابق الهوية الوطنية مع هوية الجماعات الكمبرادورية التي ورثت مؤسسة الدولة من الإستعمار. السودان الجديد كمشروع لتحرر من هذه الوضعية هو قبل كل شيء عملية تقويض لهذه المؤسسة. القضايا المحورية التي يشكل حلها على أسس مشروع السودان الجديد تقويضا لدولة مابعد الإستعمار في السودان هي:
١_ قضية الهوية الوطنية
٢_ علاقة الدين بالدولة
٣_ التحول الديمقراطي
٤_ نظام الحكم
٥_ قضية النظام الاقتصادي
٦_ قضية العدالة التاريخية
٧_ الترتيبات الامنية
٨_ قضية حق تقرير المصير
ولتقويض الوضعية المأزومة لسودان ما بعد الإستعمار ، يقترح السودان الجديد كتعبير عن الثورة السودانية في أقوى واصدق تجلياتها الاتي في اطار معالجة قضية الهوية الوطنية:
١_ الاعتراف بواقع التنوع والهوية الوطنية القائمة على الوحدة في التنوع
٢_ الاقرار بالمظالم التاريخية والالتزام بإزالتها
٣_ الاقرار بمبدأ الوحدة الطوعية وحق تقرير المصير
٤_ إلقاء توجهات وسياسات وقوانين الدولة المبنية على الاحادية الثقافية
٥_ جبر الاضرار الناتجة عن توجهات الدولة وسياساتها قوانينها ومماراساتها القائمة على الاحادية والاقصاء وذلك على المستوى الفردي والجماعي بما في ذلك معالجة ارث الرق والعنصرية
٦_ وضع سياسات جديدة على أسس التنوع وعكسها في كل أجهزة الدولة ومؤسساتها:
_ الوقوف على مسافة واحدة من كل الجماعات
_ ترسيخ مبدأ الوحدة في التنوع
_ ترسيخ مبدأ الشراكة في الوطن
_ ترسيخ مبدأ المساواة بين الجماعات
_ إعادة التوطين الثقافي ، والذي يشمل من بين أشياء أخرى:
_ التوثيق الثقافي
_ كتابة اللغات وتعليمها
خاتمة
إن سودان مابعد الإستعمار ومهما حاول اصحاب الامتيازات التاريخية غير قابل للبقاء. من الواضح أن السودان القديم قد فقد القدرة على إعادة إنتاج نفسه ، والسودان الجديد كتقويض لدولة مابعد الإستعمار وبالتالي مشروع تحرر وطني ، هو مشروع لتغير بنية وطبيعة هذه الدولة القائمة على النهب واذلال الشعوب وليس مجرد اصلاحي يقدم مطالب الى جهة ما.
أمام هيمنة سياسات وافكار الليبرالية الجديدة والعولمة الساعية الى تفتيت وفردنة مجتمعاتنا ، والتي تتقاطع مع سياسات دولة ما بعد الإستعمار في السودان في الكثير من التوجهات ، يقدم السودان الجديد بديلا فكريا وسياسيا لتحرر الجماعي والفردي و_ قصتنا الجديدة _ التي ستمكننا من استعادة الامل في حياة أفضل لمجتمعاتنا وبلادنا.
المراجع
1_ دنيس كوش ، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية ، ترجمة: منير السعيداني ، المنظمة العربية للترجمة ، الطبعة الأولى ، ص 31
2_ The Afrocentric Paradigm, Edited by Ama Mazama, p13
3_ بيل أشكروفت ، جاريث جريفيث ، وهيلين تيفين ، دراسات مابعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية ، ترجمة: أحمد الروبي ، أيمن حلمي ، عاطف عثمان ، المركز القومي للترجمة ، الطبعة الأولى 2010 ، ص 285
4_ Ahmed Alawad Sikainga, Slaves into Workers: Emancipation and labor in Colonial Sudan, university of Texas press 1996, p 24
5__ ibid, p 31
6_ ibid, p 37
7_ أبكر ادم اسماعيل ، جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان ، منظمة هودو ، الطبعة الأولى 2015 ص 99
8_ المرجع السابق ، ص99
9_ البان افريكانيزم: قضايا اساسية ، ترجمة: أبكر ادم اسماعيل ، أوراق للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى 2019 ، ص 460
10_ هشام عمر النور ، النظرية النقدية في الممارسة: رؤية مغايرة لبعض قضايانا المعاصرة ، المصورات للنشر والطباعة ، 2024 ، ص 32
11_ المرجع السابق ، ص 36
12_ المرجع السابق ، ص 59
13_ المرجع السابق ، ص 45
14_ سوندرا هيل ، السياسة والنوع الاجتماعي الجندر في السودان: الاسلاموية ، الاشتراكية ، والدولة ، ترجمة: شمس الدين الامين ضو البيت ، مركز سالمة لدراسات المرأة ، الطبعة الأولى 2011 ، ص 284
15_ المرجع السابق ، ص 292
16_ Ahmed Alawad Sikainga, ibid, p 21
17_ ibid, p 142
19_ محمد ابراهيم نقد ، متغيرات العصر: نظرية جديدة لحركة ثورية جديدة ، ص 57

