قبل أكثر من ثلاثين عامًا، كان الزمان هنا أقلَّ جموحًا وجنونًا وسرياليةً مما هو عليه الآن.
إذ لو أنك أرجعتَ البصرَ في السودان اليوم كرَّتَيْنِ، لانقلب إليك البصرُ لا محالة خاسئًا وهو حسير.
ولو أنك نجوت من الموت، ولا تزال حيًّا كما كنت قبل الحرب، فعليك أن تخترع لنفسك أملًا في هذه اللحظة، يؤكد جدارتك هذه بالبقاء على قيد الحياة.
على أية حال، لو أنك لا تزال محاصرًا داخل أوهام نفسك، قيدَ أضلاعك، وصورةِ وجهك، ورغباتك، وشهواتك، وأمانيك الذاتية الخاصة؛ فتأمَّل، وأنت تقف في هذه المحطة الفارقة من الزمن، قول محمود درويش:
“وأنت تُعِدُّ فطورك،
فكِّر بغيرك،
لا تنسَ قوتَ الحمام.
وأنت تخوض حروبك،
فكِّر بغيرك،
لا تنسَ من يطلبون السلام.
وأنت تسدِّد فاتورة الماء،
فكِّر بغيرك،
من يرضعون الغمام.
وأنت تعود إلى البيت، بيتك،
فكِّر بغيرك،
لا تنسَ شعب الخيام.
وأنت تنام وتحصي الكواكب،
فكِّر بغيرك،
ثمّة من لم يجد حيّزًا للمنام.
وأنت تحرِّر نفسك بالاستعارات،
فكِّر بغيرك،
من فقدوا حقهم في الكلام.
وأنت تفكِّر بالآخرين البعيدين،
فكِّر بنفسك،
قل: ليتني شمعةٌ في الظلام.”
أو كما نبَّه عارفٌ آخر، هو الشيخ جلال الدين الرومي، قائلًا:
“إذا بدا كل شيء حولك مظلمًا، انظر مرةً أخرى، فقد تكون أنت النور.”
المهم، فلنوقد جميعًا شموعًا هنا وهناك، عوضًا عن أن نمضي في لعن هذا الظلام؛ ذلك أنه، في الحقيقة، ظلامٌ بدواخلنا لا خارجها، في نهاية المطاف.
الجميل الفاضل يكتب: تَوَكَّلْ الآن، وقل: “ليتني شمعةٌ في هذا الظلام”!
مقالات ذات صلة

