ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات
تقديم: أعلنت الحكومة السودانية في 5 مايو تورط كل من الإمارات وإثيوبيا في استهداف مطار الخرطوم بطائرات مسيّرة في 4 مايو، مؤكدة احتفاظها بحق الرد. في المقابل، سارعت إثيوبيا إلى نفي الاتهامات، متهمة السودان بدعم قوى معادية لها. يعكس هذا التبادل الحاد للاتهامات انتقال التوتر بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق منذ اندلاع الحرب السودانية، في ظل تداخل متزايد بين الصراع الداخلي في السودان وتأثيره على التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي.
المعطيات:
أكدت الحكومة السودانية، عبر مؤتمر صحفي مشترك ضم وزراء ومسؤولين عسكريين، أن هناك أدلة وإثباتات قاطعة تؤكد العدوان المشترك، فضلًا عن أدلة جديدة لعدد من الانتهاكات التي تمت بواسطة المسيرات الإماراتية والتي تقلع من مطار “بحر دار” الاثيوبي خلال الفترة الماضية من العام الجاري. مؤكدين أن حكومة السودان وشعبها وقواتها المسلحة لديها حق الرد في الزمان والمكان اللذين تحددهما. تم استدعاء سفير السودان لدى إثيوبيا على خلفية استهداف مطار الخرطوم
رفضت وزارة الخارجية الاثيوبية، في بيان رسمي، الاتهامات التي وُجّهت إليها خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده كل من القوات المسلحة الاثيوبية ووزير الخارجية والمتحدث العسكري، مبينة أن حكومتهم مارست ضبط النفس وامتنعت عن إعلان الانتهاكات التي طالت سلامة أراضيها وأمنها القومي، والتي ارتكبها الجيش السوداني، وتشمل، من بين أمور أخرى، الاستخدام الواسع لمرتزقة جبهة تحرير شعب تيغراي في الصراع. وتقديم الأسلحة والدعم المالي لهم، ما سهّل عمليات توغلهم على طول الحدود الغربية لإثيوبيا وفق بيانها.
أعلنت وزارة الخارجية الاثيوبية عن امتلاكها أدلة كافية وموثوقة تُظهر أن السودان بات بمثابة مركز لتجمع قوى معادية لإثيوبيا. وأن الأعمال العدائية ضدها، إلى جانب سلسلة الاتهامات، تُنفذ بتحريض من أطراف خارجية تسعى إلى تحقيق أجنداتها الخاصة عبر السودان
مسار تصاعد الاتهامات السودانية الاثيوبية:
في يوليو 2024, زار آبي أحمد بورتسودان، وأجرى مباحثات مع البرهان للتوسط في احتواء التوتر بين الخرطوم وأبو ظبي، كما زار مدير المخابرات الإثيوبي بورتسودان في مهمة لم تُعلن نتائجها.
في يناير 2025, اتهم مستشار قائد قوات الدعم السريع الجيشَ السوداني بأنه دعم “متمردي” جبهة تحرير شعب التيغراي ضد الحكومة الإثيوبية، شاملاً تسليحهم وتدريبهم وتجميعهم في مناطق الفشقة والقضارف والنيل الأبيض لشن هجمات على إثيوبيا، وبأنهم شاركوا الي جانب الجيش في معارك الجزيرة والخرطوم.
في فبراير 2026, نشرة وكالات إعلامية صور أقمار اصطناعية تكشف عن معسكر تدريب لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية في إقليم بني شنقول-قمز، كأول دليل موثّق وملموس على تورط إثيوبيا في الحرب بشكل مباشر لا مجرد انحياز دبلوماسي.
في مارس 2026, أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيان رسمي، تتهم فيه دولة إثيوبيا بالسماح بانطلاق طائرات مسيّرة من أراضيها لاستهداف مواقع سودانية في ولاية النيل الأزرق. رفضت أديس الاتهامات، مؤكدةً أن السودان هو من يدعم قوى معادية لإثيوبيا ويوفر لها ملاذاً. وفي السياق ذاته، اتهم مسؤول سوداني رفيع إثيوبيا بدعم هجوم منسق على مدينة كُرمُك الحدودية في النيل الأزرق وساعدت قوات الدعم السريع في السيطرة عليها، بما في ذلك نقل عربات قتالية من منطقة آسوسا الإثيوبية.
تحليل:
اعتبرت السلطات السودانية استهداف مطار الخرطوم انتهاكا صريحا لسيادتها، ومن دون الإشارة لقوات الدعم السريع، في ظل غياب لافت لردود الفعل الدولية إزاء الحادث، الأمر الذي يعكس تراجع مستوى الاهتمام الخارجي بمجريات الصراع أو محدودية القدرة على التأثير فيه. وفي موازاة ذلك، شهد مسرح العمليات العسكرية تحولا جوهريا في موازين القوى الجوية، تمثّل في الاعتماد المكثف من قبل قوات الدعم السريع على الطائرات المسيّرة ونجاحها في تدمير أهداف عسكرية للجيش والقوات المساندة له في مدينة الأبيض بشمال كردفان، كوستي وربك وكنانة بولاية النيل الأبيض، بالإضافة للخرطوم وأمدرمان، في إطار خطوة استباقية تستهدف تعطيل تحركات الجيش الرامية إلى فك الحصار عن مدينة الأبيض واستعادة السيطرة على شمال كردفان ودارفور، وبالتوازي مع محاولة تقويض رمزية العاصمة بوصفها مركزاً للسلطة، وإبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة فيها، بما يحدّ من قدرة الجيش على توظيف سيطرته عليها في ترسيخ شرعيته, وتأكيد تحكمه في مسار الحرب عبر استعادة رمزيتها التاريخية كمقر للحكم.
تتمحور السيناريوهات المحتملة لمسار التوتر السوداني الإثيوبي حول ثلاث مسارات متفاوتة الترجيح.
أولها التصعيد المفتوح الذي تعززه صياغة بورتسودان الصريحة باحتفاظها بـ “حق الرد في الزمان والمكان اللذين تحددهما”، وما يرافقها من أدلة تقنية موثقة واستدعاء السفير، غير أن فتح جبهة إضافية مع إثيوبيا في ظل حرب داخلية ممتدة يجعل هذا الخيار مكلفاً. وثانيها التجميد الدبلوماسي مع استمرار الحرب بالوكالة، وهو الأكثر ترجيحاً، ويقوم على خفض التمثيل الدبلوماسي مع تصاعد الدعم المتبادل للمعارضات المسلحة وتحوّل شرق السودان إلى ساحة استنزاف غير معلنة. وثالثها الوساطة الإقليمية، وهو الأقل احتمالاً في ظل غياب أي فاعل دولي ذي ثقل جاهز للتدخل.
الأخطر في هذا المشهد أن ما يجري بين بورتسودان وأديس أبابا تجاوز حدود النزاع الثنائي ليغدو انعكاساً لصراع تحالفات إقليمية متنافسة على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، توظّف فيها ملفات المنفذ البحري الإثيوبي وسد النهضة والحرب السودانية أدواتٍ للمناورة لا قضايا تستوجب حلاً. وقد بات صراع الوكالة معلنا لا خفية، مما يُقيّد هامش التدخل الدبلوماسي ويحوّل الحرب السودانية تدريجياً من نزاع داخلي إلى حرب ذات طابع إقليمي بامتياز، تجد فيها الأطراف المحلية نفسها رهينة لإرادة الفاعلين الخارجيين لا سيدة لقرارها.
خلاصة:
العلاقات السودانية الإثيوبية عند نقطة تحوّل حقيقية، وهي الأخطر منذ اندلاع الحرب السودانية. المؤشرات تقول إن كلا الطرفين لا يستطيع تحمّل حرب مفتوحة، لكن ديناميكيات الكرامة الوطنية والضغوط الداخلية قد تدفع نحو خطوات غير محسوبة، ومن المرجّح أن يبقى التوتر مرتفعًا مع تجنّب المواجهة الشاملة، في ظل استمرار الحرب بالوكالة على الأراضي السودانية.
احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين السودان وإثيوبيا يظل مستبعدًا في الوقت الراهن، لكنه غير مستحيل، ويعزى ذلك إلى حالة الإرهاق العسكري لدى الطرفين، في ظل انخراط السودان في صراع داخلي متعدد الجبهات، وخروج إثيوبيا حديثا من حرب مكلفة لم تستكمل بعد مسار التعافي منها وتجنبها فتح جبهتين، إرتريا والسودان. كما أن الطبيعة الجغرافية الوعرة للمناطق الحدودية تفرض قيودا عملياتية على أي تحرك عسكري واسع.

