الأحد, مايو 24, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالجميل الفاضل يكتب: محاولةٌ بحثٍ ديناميكيّ عن الغدِ في الحاضرِ المستمدِّ من...

الجميل الفاضل يكتب: محاولةٌ بحثٍ ديناميكيّ عن الغدِ في الحاضرِ المستمدِّ من الأمس؟! (2)

السودانيون، على علاتهم الراهنة وهوانهم على أنفسهم وعلى الناس، ليسوا طارئين على التاريخ، ولم يكونوا يوماً ظلالاً عابرةً على جدار الزمن.
إنهم سلالةُ نهرٍ أسطوريّ، كلما ظنّ العالمُ أنه جفَّ، انفجر من أعماقه ماءٌ جديد، أشدُّ زرقةً، وأعمقَ سرّاً، وأقربَ إلى الخلود.
هم قومٌ إذا نُطق المجدُ ذُكروا، فلهم في تربة الأمجاد جذورٌ تمتدُّ إلى ما تحت العظام.
وإذا صفَّت الأممُ التي خاطبت الكونَ بلغة القوة والهيبة، كان السودانُ صوتاً من أعظم الأصوات، يدوِّي في أروقة الدهر.
على هذا التراب الدامي نفسه، الذي يتشقق اليوم تحت سياط الحرب والنزوح، قامت كوشُ كشمسٍ من ذهبٍ أسود، تنازع آشورَ سلطانَها، وتمدُّ ظلَّها على خرائط العالم القديم حتى ارتعدت العروشُ لوقع خطاها.
لكن حين تتيه الخطى في متاهات الشتات، وتصير الخيامُ أوطاناً، والحدودُ مرايا للخذلان، يصبح الحفرُ في «صندوق أمانات التاريخ» ليس ترفاً فكرياً، إنما طقسَ نجاةٍ وخلاصٍ من هذا الحاضر البئيس.
إذ أن السؤال «من نحن؟» لا تجيب عنه أوراقُ الهوية البالية في جيوب المنافي، ولا جوازاتُ السفر التي تختمها المطارات بأختام الذل.
إنه سؤالٌ يُنقَب عنه في أعماقٍ سحيقة، حيث تنام جذورُنا الأولى تحت طبقات من الصخر والرمل، تنتظر نداءً صادراً من القلبٍ إلى القلبٍ، ليوقظها من سباتها العميق.
في مثل لحظة هذا الانكسار السوداني، يبدو الحاضرُ كجسدٍ فارغٍ من روحه، أو كقصيدةٍ ضاعت أوزانها وسط لوثة العقول ودخان البارود.
كأن البلاد تنظر إلى وجهها في مرآة الرصاص المنهمر فلا تعرفه، وكأن المدن التي كانت تترنم للنيل صارت تئنُّ بصفير الدخان.
لكن هل هذه هي حقيقتنا؟
أم أننا نعبرُ فقط سحابةَ تيهٍ نافرة، حجبت عن أبصارنا شمسَ «صندوق الروح» الذي دفنت فيه كوشُ سرَّها الأزلي؟
لو أدرنا رؤوسنا قليلاً إلى الوراء، نحو تلك المملكة التي قامت عند خاصرة النيل كصلاةٍ حجرية خالدة، لما رأينا حضارةً منطفئة، بل رأينا «فكرة السودان» في أنقى صورها وأسمى تجلياتها: دولةً تحمل السيفَ بيدٍ، وميزانَ الحكمة بيد أخرى، قويةً دون أن تتحول إلى وحش، عادلةً دون ضعف.
انظروا إلى ترهاقا، ذلك الملك الذي كان يسير شمالاً وكأن النيلَ كله يمشي خلفه أو يجري في عروقه.
لم يكن غازياً يلهث وراء الغنائم، لكنه يشبه كاهناً مسلحاً يعيد ترتيبَ ميزان العالم كلما مال، يقف بوجه البطش الآشوري كجبلٍ أشمّ، حامياً أورشليم باسم العدل.
ثم انظروا إلى الكنداكة أماني ريناس، تلك المرأة التي فقدت عينها في خضم المعركة، ففتحت للسودان عينَ الكبرياء.
كانت تمشي في ساحات الوغى كنشيدٍ إفريقيٍّ من نار وشموخ، وكأن روحَ القارة بأسرها قد تمثلت في جسد امرأةٍ.
حين واجهت أغسطس قيصر، لم تكن تدافع عن حدودٍ من تراب، لكن عن معنى السيادة ذاته، عن حقّ الأرض في رفع رأسها أمام كل إمبراطورية متغطرسة.
ولذلك لم يكن دفنُ رأس أغسطس تحت عتبة معبد النصر في مروي مجرد انتقام، لكنه كان طقساً كونياً عميقاً، تقول به كوشُ للتاريخ: «كلُّ جبروتٍ يعلو على الحقّ سيصير تراباً تحت أقدام العابرين».
وحين مدَّت روما أصابعها الطامعة جنوباً لتبتلع النيلَ كلَّه من أقصاه الي أدناه، خرجت الكنداكة أماني من مروي كريحٍ صحراويةٍ، تقود ثلاثين ألفاً من المقاتلين، لتجتاح أسوان وفيلة وألفنتين، ولتسحق الحاميات الرومانية كأنها تسحق أوهام التوسع وجنون العظمة.
ظلت تقاتل بعينٍ واحدة، بينما كانت روما ترتبك أمام بصيرة امرأةٍ ترى بقلبها ما لم تره جيوشُ الرومان بأعينها.
حتى سترابو لم يجد لها اسماً إلا: «الملكة ذات العين الواحدة، الشجاعة للغاية».
ثم لم تكن اتفاقية «ساموس»، سوي لحظةً مضيئة أخري في جبين التاريخ السوداني، حيث انتصرت كوشُ بالحكمة بعد أن انتصرت من قبل بالسيف.
أُلغيت الضرائب، واستُعيدت الحدود، وانحنت روما — وهي في قمة جبروتها — أمام سيادة مروي الكاملة.
فيا للمفارقة الأليمة: بين أمةٍ كانت تدفن رؤوسَ القياصرة تحت أقدامها، وأمةٍ باتت اليوم تنتظر أكياسَ القمح من خلف الحدود!
وبالطبع فالفجوة ليست في الدم، ولا في الجينات، لكنها في الوعي والذاكرة.
إن جوهرنا ما زال حيّاً، وإن غطاه رمادُ السنين.
فالحضارات العظيمة لا تموت. إنها تتحول فقط إلى أرواحٍ سرية تسكن الصدور، و«شفرات نور» تنتقل عبر الأجيال في صمت.
فقد سرت مثل هذه الشفرات قبل أكثر من قرن، فألهمت الثورة المهدية شعوباً بعيدة كإيرلندا، حيث هتف الإيرلنديون «Up the Mahdi!» في وجه الاستعمار البريطاني، وتقلدوا زي الأنصار، وسمَّوا زعماءهم باسمه، رافضين دعايةَ المستعمر، واصفين المهدي بـ«الحقيقي كالفولاذ» وبقارئ المسيح.
وفي عصرنا هذا، انتقلت روح ثورة ديسمبر 2018 إلى الولايات المتحدة، في شوارع مينيابوليس بعد مقتل جورج فلويد، حاملةً معها تقنيات الحشد والاعتصام السلمي والتضامن والجداريات، لتصبح مصدر إلهام عالمي من جديد.
إننا شعبٌ يحمل في أعماقه كبرياءً كوشياً أصيلاً، قد ينحسر أحياناً، لكنه لا يجفّ أبداً.
لكن العودة إلى سؤال «من نحن؟» ليس تعبيرا عن حنين رومانسي إلى الأطلال، إنما هو بحثٌ عن المادة الأولى التي سيُبنى بها وعليها سودانُ الغد.
إذ أن معركتنا اليوم ليست معركة سلاح، لكنها تظل معركة وعي وذاكرة، قبل أن تغلق دائرةُ النسيان علينا إلى الأبد.
فالتحديق في عيني ترهاقا، والإنصات إلى صهيل الكنداكات من أعماق الذاكرة، ليس هروباً من الخراب، لكن هو الطريق الأشدُّ إيلاماً وأكبر أملاً في إعادة بناء وطنٍ يليق بتاريخه.
نحن لسنا ضحايا أبديين للتاريخ.
لكننا أبناءُ ممالكَ ضلَّت طريقها مؤقتاً، رغم أنها ما زالت تحمل في أحشائها خرائطَ العودة إلى مجدها التليد.
وما العودة إلى مثل هذه الجذور سوي خطوة أولى نحو مستقبلٍ يمشي فيه السودانُ مرفوعَ الرأس، كملكٍ قديمٍ خرج لتوّه من قمرٍ بعيد، يحمل بيده قبساً من نورٍ لا ينطفئ.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات