لم تعد الحرب في السودان مجرد معارك على الأرض، بل امتدت آثارها إلى داخل البيوت، حيث تتكشف أزمة اجتماعية صادمة تتمثل في تفكك الأسر عبر موجة غير مسبوقة من الطلاق والخلع. فالأرقام الرسمية تكشف عن تسجيل نحو 35 ألف حالة انفصال منذ اندلاع القتال، لتتصدر الخرطوم قائمة الولايات الأكثر تضرراً، فيما ارتفعت طلبات النفقة والخلع في مناطق استقبال النازحين مثل نهر النيل والبحر الأحمر وكسلا. هذه الظاهرة تعكس حجم الضغط الذي فرضته الحرب على العلاقات الزوجية، وسط انهيار اقتصادي ونزوح جماعي قلب موازين الحياة اليومية.
كوثر بشارة، وهي سيدة ثلاثينية نزحت من الخرطوم إلى الشرق، روت تجربتها بمرارة قائلة إن الطلاق كان خيارها الوحيد بعد أن تحولت حياتها إلى سلسلة من الخلافات اليومية حول أبسط الاحتياجات. فقدان الزوج لمصدر دخله وتضاعف الأعباء في مدينة جديدة جعلا استمرار العلاقة مستحيلاً، لتلجأ إلى الخلع بعد تراكمات طويلة من الضغوط. شهادتها تجسد واقع آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع أزمات معيشية ونفسية خانقة.
الاقتصاد المنهار كان المحرك الأبرز لهذه الأزمة. الباحث أحمد عبد اللطيف أوضح أن فقدان الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة خلق فجوة واسعة بين الالتزامات الأسرية والقدرة على الوفاء بها، مشيراً إلى أن النزوح الداخلي زاد الطين بلة، إذ انتقلت الأسر إلى مناطق أكثر كلفة مع فرص عمل محدودة. ويرى أن استمرار الأزمة دون حلول عاجلة سيؤدي إلى مزيد من التفكك الأسري، مع انعكاسات خطيرة على الأطفال والمجتمع.
النزوح القسري بدوره أعاد تشكيل البنية الأسرية. آلاف العائلات تفرقت بين ولايات مختلفة أو خارج البلاد، ما أضعف الروابط اليومية بين الأزواج. الباحثة مها عبد الهادي أكدت أن فقدان شبكة الدعم الاجتماعي التقليدية أدى إلى تآكل العلاقات تدريجياً، وأن كثيراً من حالات الطلاق ارتبطت بانفصال الأزواج قسراً بسبب البحث عن العمل أو الهجرة. النساء في مراكز الإيواء يتحملن مسؤوليات مضاعفة في بيئات غير مستقرة، ما يزيد من احتمالات النزاعات داخل الأسرة.
الحرب أيضاً قلبت الأدوار داخل البيوت. تقارير دولية تشير إلى أن نحو مليون امرأة نازحة أصبحن معيلات لأسرهن بشكل مفاجئ بعد فقدان الأزواج أو تشتتهم. المتخصص في علم الاجتماع عادل حامد يرى أن هذا التحول المفاجئ في توزيع المسؤوليات خلق توترات جديدة، إذ يجد بعض الرجال صعوبة في تقبل التغيير، بينما تتحمل النساء أعباء إضافية دون دعم كافٍ، ما يفاقم شعورهن بالإنهاك.
ومع ارتفاع معدلات الطلاق، تزايدت أيضاً معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي. تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان تشير إلى أن أكثر من 4.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة ماسة إلى خدمات حماية عاجلة. الناشطة الحقوقية نهى حيدر حذرت من أن تفكك الأسرة يضع النساء في مواجهة مباشرة مع أخطار العنف والاستغلال، مؤكدة أن الأطفال هم الأكثر تضرراً في بيئة النزوح، حيث يضاعف الطلاق من آثار الصدمات النفسية والاجتماعية عليهم.
الواقع السوداني اليوم يكشف أن الحرب لم تكتف بتدمير المدن والبنية التحتية، بل أعادت صياغة العلاقات داخل الأسر، لتترك خلفها جروحاً اجتماعية عميقة قد تمتد آثارها لأجيال قادمة إذا لم تُعالج بجدية عبر برامج حماية ودعم اقتصادي واجتماعي شامل.

