الجامعة الوطنية – مكتب الإعلام – القاهرة
في حلقتين نادرتين أطل البروفيسور سليمان صالح فضيل، عبر “بودكاست الوطنية”، من زاويتين مختلفتين. في الحلقة الأولى استعاد رحلة عمر امتدت من طفولة بعيدة في دارفور إلى قاعات جامعة الخرطوم وأروقة المستشفيات ومراكز البحث العالمية. وفي الحلقة الثانية اقترب من أسئلة الحرب السودانية وتعقيداتها السياسية والإنسانية.
تحدث البروفيسور فضيل بصراحة في الحلقة الثانية عن رؤيته لما يجري في البلاد، وعن عدد من القضايا والاتهامات والروايات التي ارتبط اسمه بها خلال سنوات الحرب، مقدماً للمشاهدين روايته الخاصة لأول مرة حول ملفات واتهامات ظلت محل جدل واسع في الفضاء العام.
وأنت تستمع إلى البروفيسور سليمان صالح فضيل في الحلقة الأولى، تشعر أنك لا تستمع إلى طبيب يروي محطات حياته بقدر ما تستمع إلى شهادة حية عن السودان الذي كان. ذلك السودان الذي كانت تربطه طرق وعرة، لكن تربط أهله قيم مستقيمة، وكانت موارده أقل كثيراً مما هي عليه اليوم، لكنه كان أكثر قدرة على إنتاج الكفاءة والانضباط والأمل.
من الفاشر إلى الجنينة، ومن تلس إلى كتم والردوم، مضت طفولة البروفيسور – ومضى صباه – بين محطات عمل والده المساعد الطبي، في زمن كانت فيه الخدمة العامة رسالة أكثر منها وظيفة، وكانت الدولة تصل إلى القرى البعيدة عبر شفخانة صغيرة وممرض وملاحظ صحة ودفتر تقارير شهري وجهاز لقياس الأمطار.
كان يحكي عن دارفور الستينيات كما لو أنه يتحدث عن مكان آخر غير الذي نعرفه اليوم. مجتمع تتجاور فيه القبائل دون أن تتنازع حول هويتها، وطلاب يتشاركون الداخليات والوجبات والأحلام دون أن يسأل أحدهم الآخر عن قبيلته. لم تكن الأسئلة التي تشغل الناس آنذاك هي من أنت، بل ماذا تستطيع أن تقدم.
وفي الفاشر الثانوية بدأت رحلة أخرى، رحلة صناعة الإنسان قبل صناعة المتخصص، مدارس تهتم بالرياضة والمسرح والجمعيات الأدبية والانضباط الأكاديمي، ونظار يركضون مع الطلاب في سباقات الضاحية، وأساتذة يزرعون في تلاميذهم احترام المعرفة قبل البحث عن الشهادات.
وحين وصل إلى جامعة الخرطوم، وجد نفسه في قلب مرحلة سياسية صاخبة شهدت جدل الديمقراطية وحل الحزب الشيوعي وأحداث مايو والجزيرة أبا. لكن ما بقي في ذاكرته لم يكن صخب السياسة وحده، بل صورة الأستاذ الجامعي الذي كان يرى أن مهمته لا تقتصر على تدريس العلم، وإنما تمتد إلى تعليم طلابه كيف يفكرون.
وفي تفاصيل دراسته الطبية تتجلى قيمة أخرى تكاد تختفي من حياتنا العامة اليوم: قيمة القدوة. فقد تحدث البروفيسور بمحبة واضحة عن أساتذته الكبار، وعلى رأسهم البروفيسور داوود، الذي لم يكن يميز بين المرضى على أساس المال أو النفوذ، وكان يرى في الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة.
وربما لهذا السبب ظل الجانب الإنساني حاضراً في مسيرته كلها؛ من اهتمامه براحة النساء القادمات من القرى البعيدة أثناء فترة الامتياز بالأبيض، إلى حرصه لاحقاً على إنشاء وحدات متخصصة للنزيف المعوي والمناظير، ثم مساهمته في بناء مؤسسات طبية وخيرية تجاوز أثرها حدود الخرطوم إلى دارفور وغيرها من الأقاليم.
لكن أكثر ما يستوقف في حديثه ليس حجم الإنجازات، وإنما تفسيره الضمني لمعنى النجاح. فالرجل الذي وصل إلى أعلى المواقع العلمية، ونال جوائز دولية، وعُرضت عليه فرص مهنية مغرية في الخارج، ظل يعود دائماً إلى الفكرة نفسها، أن المعرفة لا تكتمل قيمتها إلا إذا عادت بالنفع على الناس.
ولعل أكثر لحظات الحلقة دلالة كانت حين استعاد حديث البروفيسور النذير دفع الله عن الكفاءة في الخدمة العامة، ذلك التحذير القديم من أن تعيين غير المؤهلين لا يتوقف أثره عند وظيفة واحدة، بل يخلق سلسلة طويلة من التدهور يصعب كسرها لاحقاً. وهي ملاحظة تبدو اليوم أقرب إلى تشخيص مبكر لكثير من أزمات السودان المعاصرة.
في نهاية الحلقة الأولى لا يخرج المشاهد بصورة طبيب ناجح فحسب، بل بصورة جيل كامل آمن بأن التعليم يمكن أن يغير المصائر، وأن الخدمة العامة يمكن أن تكون شرفاً، وأن الوطن يستحق أن يعود إليه أبناؤه بما تعلموه في العالم لا بما جمعوه منه.
وربما لهذا بدت سيرة البروفيسور سليمان صالح فضيل أقل شبهاً بسيرة فرد، وأكثر شبهاً بمرآة تعكس زمناً سودانياً جميلاً؛ زمناً لم يكن مثالياً بالطبع، لكنه كان يملك شيئاً نفتقده اليوم بشدة “الإيمان بأن الكفاءة والأخلاق والعمل الجاد يمكن أن تصنع مستقبلاً أفضل”.
الحلقة التي بُثّت على موقع الجامعة الوطنية ومنصاتها باليوتيوب والفيس بوك من إعداد وتقديم منى أبوزيد.

