الرئيسيةاخبار سياسيةواشنطن تنتقل من الوساطة إلى المواجهة.. شهادة مسعد بولس تضع البرهان في...

واشنطن تنتقل من الوساطة إلى المواجهة.. شهادة مسعد بولس تضع البرهان في قلب أزمة تعطيل الهدنة بالسودان

تقرير:جعفر السبكي ابراهيم

شكلت إحاطة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن الدولي، نقطة تحول لافتة في الخطاب الأمريكي تجاه الحرب السودانية، بعدما تضمنت للمرة الأولى إشارات مباشرة حملت قيادة الجيش السوداني، ممثلة في رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مسؤولية تعطيل آخر المبادرات الرامية إلى التوصل لهدنة إنسانية تمهد لوقف إطلاق النار.

وجاءت تصريحات بولس خلال جلسة مجلس الأمن في توقيت بالغ الحساسية، إذ أكد أن مجلس السيادة رفض آخر نسخة من مسودة الهدنة الإنسانية، الأمر الذي اعتبره مراقبون تحولاً نوعياً في الموقف الأمريكي، بعدما ظلت واشنطن طوال الأشهر الماضية تتحدث عن مسؤولية “الطرفين” في استمرار الحرب، دون تسمية الجهة التي عطلت المبادرات السياسية.

تحول في الخطاب الأمريكي

يرى مراقبون أن ما صدر عن بولس يعكس انتقال الولايات المتحدة من سياسة الوساطة المتوازنة إلى مرحلة أكثر صراحة في تحميل المسؤوليات، وهو ما اعتبره كثيرون رسالة سياسية مباشرة إلى قيادة الجيش السوداني.

فبدلاً من الاكتفاء بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، تحدث المسؤول الأمريكي عن رفض مجلس السيادة لآخر مقترحات الهدنة، وهو ما اعتبره مراقبون أول اتهام علني من واشنطن لطرف محدد بإفشال جهود السلام.

وتزامن ذلك مع ردود فعل سريعة من الجانب السوداني، تمثلت في تصريحات رسمية وخطابات سياسية أعقبت جلسة مجلس الأمن، وهو ما اعتبره محللون دليلاً على أن الرسالة الأمريكية أصابت مركز القرار في بورتسودان.

ربط القرار بشبكات الإسلاميين

ومن أبرز ما حملته شهادة بولس، الإشارة إلى ما وصفه بشبكات الإسلاميين التي تسهم في استمرار الحرب، وهو توصيف اعتبره مراقبون تطوراً مهماً في توصيف الأزمة السودانية.

فبدلاً من النظر إلى النزاع باعتباره صراعاً عسكرياً بين الجيش وقوات الدعم السريع، أوحى الخطاب الأمريكي بأن عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية لا تنفصل عن نفوذ التيار الإسلامي، وهو ما يعني – وفق هذا التحليل – أن رفض الهدنة لا يرتبط فقط بحسابات عسكرية، وإنما أيضاً باعتبارات سياسية وأيديولوجية.

ويشير هذا التحول إلى أن واشنطن باتت ترى أن الوصول إلى تسوية سياسية يقتضي التعامل مع البنية السياسية المؤثرة داخل معسكر الجيش، وليس مع القيادة العسكرية وحدها.

ثلاث أدوات ضغط في وقت واحد

ولم تقتصر الرسالة الأمريكية على التصريحات السياسية، بل جاءت ضمن حزمة ضغط متكاملة استخدمت فيها واشنطن ثلاث وسائل متزامنة.

ففي اليوم نفسه، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات قالت إنهم مرتبطون بشبكات شراء وتجنيد دعمت استمرار الحرب، كما لوحت بإمكانية تطوير آلية دولية لدعم تنفيذ أي هدنة، إلى جانب الاتهام العلني أمام مجلس الأمن للطرف الذي رفض مسودة وقف إطلاق النار.

ويرى محللون أن الجمع بين العقوبات والضغط السياسي والتحرك داخل الأمم المتحدة يعكس رغبة أمريكية في رفع كلفة استمرار الحرب، ودفع الأطراف نحو العودة إلى طاولة التفاوض.

معادلة جديدة أمام البرهان

وتشير القراءة السياسية لهذه التطورات إلى أن القيادة العسكرية السودانية تواجه معادلة أكثر تعقيداً من السابق.

فالمضي في رفض المبادرات الدولية قد يفتح الباب أمام مزيد من العزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية، بينما قد يفرض القبول بالهدنة تحديات داخلية تتعلق بعلاقة القيادة العسكرية مع القوى الإسلامية المتحالفة معها، والتي تنظر إلى استمرار العمليات العسكرية باعتباره خياراً استراتيجياً.

ويعتقد مراقبون أن واشنطن أرادت من خلال رسائلها الأخيرة إظهار أن تكلفة رفض التسوية السياسية ستكون أعلى من أي وقت مضى، وأن المجتمع الدولي بدأ يفقد صبره تجاه استمرار الحرب.

من الملف الإنساني إلى المواجهة السياسية

ويخلص متابعون إلى أن المتغير الأبرز في الموقف الأمريكي يتمثل في انتقال الملف السوداني من دائرة التحركات الإنسانية إلى مربع المواجهة السياسية المباشرة.

فبعد أشهر من التركيز على إيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، أصبح الخطاب الأمريكي يتناول مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية عن استمرار الحرب، مع استخدام أدوات ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية بصورة أكثر وضوحاً.

وبذلك، لم تعد القضية بالنسبة لواشنطن مجرد أزمة إنسانية تتطلب هدنة مؤقتة، وإنما أصبحت اختباراً لإرادة القيادة السودانية في التعاطي مع الضغوط الدولية، ولقدرة المجتمع الدولي على فرض مسار سياسي ينهي واحدة من أكثر الحروب دموية في المنطقة.

ورغم أن هذه التحولات قد تزيد الضغوط على أطراف النزاع، فإن نجاحها سيظل مرهوناً بمدى استعداد القوى السودانية للانخراط في تسوية سياسية، وبقدرة المجتمع الدولي على تحويل الضغوط الدبلوماسية إلى خطوات عملية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء الحرب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات