ما أكثر ما يخدعنا البصر حين نظن أن السباق لا يربحه إلا الأسرع، وأن الغلبة لا تكون إلا لمن يشتد وقع حوافره على الأرض.
غير أن للتاريخ سننًا أخرى؛ فهو لا يكتب خاتمته على إيقاع الضجيج، وإنما يخبئها في صمت الذين طال صبرهم حتى صار الصبر سمة تاريخهم كله.
ولهذا قالت العرب:
«عند منقلب الرعاة تسبق الشاة العرجاء».
فإذا تعب الرعاة من حمل عصيهم، وإذا تشابهت عليهم الدروب والمسالك، وإذا أكلت القوةُ نفسها، وانطفأت في صدور الإمبراطوريات نار اليقين.. خرجت من آخر الصفوف شاةٌ كانت تمشي ببطء شديد، لا لأنها تجهل الطريق، لكن لأنها كانت تعرف أن الطريق أطول كثيرًا من أعمار العجولين.
ولعل عالمنا يقف اليوم عند مثل هذا المنقلب.
فالأرض كلها تكاد تبدل جلدها، والإمبراطوريات التي كانت تتحدث بلسان الصلف، صارت تفاوض الزمن على ما تبقى لها من نفوذ.
والخرائط التي رسمتها المدافع أخذت تمحوها المصالح، والتحالفات التي ظنت نفسها جبالًا بدأت تتفتت كما يتفتت الملح إذا لامسته قطرات المطر.
كأن العالم كله بلغ آخر نهاره، فيما وحده الفجر هو الذي لم يولد بعد.
في قلب هذا المخاض، يقف السودان، لا كما تتلوه نشرات الأخبار: بلدًا مثخنًا بالجراح، ولا كما تصفه منابر السياسة: أزمةً مؤجلة، وإنما كما تراه السنن الكبرى: بذرةً دفنتها العواصف عميقًا في التراب، لأن البذور لا تصعد إلى الضوء إلا بعد أن تتعلم شيئًا في العتمة من سر الظلمة.
عمومًا فقد طال تيه السودان، حتى ظن كثيرون أن هذا التيه وطنه.
دار كما يدور ثور الساقية؛ يرهق الأرض ولا يغادرها، يحرث الهواء أكثر مما يحرث الأرض.
انقلابٌ يلد ثورة، وثورةٌ تلد انتقالًا، وانتقالٌ يلد خيبة، ثم تعود الدبابات من حيث جاءت، كأن الزمن فقد ذاكرته، أو كأن البلاد محكومة بأن تعيد في كل مرة حلمها القديم ذاته، الذي حفظته من كثرة التكرار عن ظهر قلب.
لم يكن ذلك إلا صورةً أخرى لتيه الإنسان الذي أطال سيره وهو يضيع الاتجاه.
رغم أن تيه بني إسرائيل الذي صار مضرب مثل، كان محفوفًا بظلال الرحمة؛ كانت السماء ترسل المن والسلوى، وكانت العيون تتفجر من الصخر كلما اشتد العطش.
أما تيه السودان، فقد كانت سماؤه تمطر نارًا، وكانت أرضه تشرب دماء أبنائها قبل أن تشرب ماء العيون.
ومع ذلك، كان القدر في ظني يربي أمةً لا تدري أنها تُربَّى.
ولعل أعظم ما تخطئه الأبصار إلى يومنا هذا، أنها لا تزال تنظر إلى هذا الخراب بوصفه نهاية كل شيء.
بينما هو في ميزان القدر سر بداية أخرى.
فالحبة لا تثمر حتى تنفلق، والسنبلة لا تولد حتى تموت بذرتها.
والنجم لا يُرى إلا بعدما يبتلع الليل آخر خيوط النهار.
هكذا جاءت هذه الحرب، التي لم تأتِ لتكشف ضعف السودان، لكن لتكشف كل ما ليس سودانًا فيه.
نزعت عنه الأقنعة كما تنزع الريح أوراق الخريف اليابسة، وأسقطت على أرضه أصنام الشعارات، وأظهرت أن كثيرًا مما كنا نظنه وطنًا لم يكن سوى ظلالٍ باهتة لوطن لم يفتأ يتخلق أطوارًا.
ولذلك يبدو هذا الصدع — على قسوته — أشبه بالمحراث الذي يشق الأرض، لا ليقتلها، وإنما ليهيئها لنسل جديد.
أليس هو القائل سبحانه:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؟
ما أعجب القرآن.. إنه لا يبدأ بالحياة، وإنما يبدأ من نقطة السكون.
ولا يبشر بالربيع، حتى يحدثنا أولًا عن الأرض الهامدة.
كأن الهَمْد شرط الاهتزاز، وكأن الموت نفسه ليس إلا الاسم المؤقت للحياة وهي تستجمع أنفاسها.
ولذلك لم يعد السؤال:
هل ينهض السودان؟
فالبلاد التي أنجبت كرمة ومروي، وكتبت اسمها في التاريخ قبل أن تتعلم أمم كثيرة كتابة أسمائها، لا تموت.
لكن السؤال الحقيقي هو:
أيُّ سودان سيخرج من هذه النار الموقدة؟
هل يعود إلينا السودان الذي كان يدور في حلقة النخب، أم يولد السودان الذي يدور حول رسالته المنتظرة أو المستبطنة؟
ذلك هو الفرق بين وطن يعيد إنتاج أزمته، ووطن يعيد اكتشاف نفسه.
إذ ليست الثورات التي أدمنها السودانيون في حقيقتها مسعى لتبديل حكام بحكام، إنما هي في جوهرها العميق سعي لتبديل هذا الإنسان نفسه، الذي ينبغي أن يصنع هؤلاء الحكام.
فإذا استقام الإنسان، استقام التاريخ من تلقاء نفسه.
ولعل أعظم ما ينتظر السودان ليس اكتشاف الذهب، ولا استخراج النفط، ولا كثرة الموارد، لكن اكتشاف ذاته.
أن يتذكر أنه ليس هامشًا في كتاب أحد، ولا ذيلًا لإمبراطورية، ولا ساحةً لتصفية حسابات الآخرين.
والي أن يدرك أنه صفحةٌ أصلية في كتاب التاريخ والحضارة.
وللحقيقة حين يقرأ السودان نفسه جيدًا، سيقرأه العالم من ثم قراءةً أخري هو جدير بها.
على أية حال، إن منقلب الرعاة ليس حادثةً سياسية.
إنه لحظةٌ كونية، يتبدل فيها ميزان القوة المادية، بميزان روحي أصدق وأعمق وأشمل.
ففي تلك اللحظة فقط، لا يسبق الأقوى، ولا الأغنى، ولا الأكثر ضجيجًا.
إنما يسبق من بقي قلبه حيًّا، بعد أن ماتت في هذا العالم قلوب كثيرة، ليس أقلها ما دفن سره بأرض جزيرة الشيطان “أبستين”.
وحينئذٍ، لن يكون عرج السودان عيبًا، بل سيغدو وسامه.
إذ سيكتشف العالم أن تلك النعجة التي سخروا من بطئها، لم تكن متأخرة عن الطريق، الذي تحفظه ذاكرتها أكثر من حفظ كل السابقين واللاحقين.
المهم حين يتعب الرعاة جميعًا، وتنكسر عصيُّ الوصاية، وتسقط من أيدي الدول خرائط الغلبة، سيخرج السودان — لا منتقمًا، ولا متكبرًا — وإنما خارجًا من النار كما يخرج الذهب من أتون الصهر؛ أكثر صفاءً، وأشد توهجًا، وأقرب إلى سره الأول.
وعندها، لن يكون قد سبق الآخرين في مضمار السياسة وحده.
لكنه سيكون قد سبق نفسه إلى نفسه.
وذلك بالضبط، هو السباق الذي لا يخسره من عرف مقامه، وأحسن الإصغاء إلى النداء الخفي الذي ظل ينبعث من جبل البركل منذ فجر كوش، ينتظر أن يتنفس فيه صبح جديد.