الرئيسيةمقالاتما بين فكِّ اللجام وفكِّ الرِّسْن ما بين استعادة أم دافوق و...

ما بين فكِّ اللجام وفكِّ الرِّسْن ما بين استعادة أم دافوق و العودة إلى الخرطوم….

   ..يبقى الوطن والمواطن كبشَ الفداء.     (  1  ).

    بقلم السفير الصادق المقلي

    حين طلب الفريق أول عبد الفتاح البرهان من الشعب السوداني أن يصبر على ضيق المعيشة وقطوعات الكهرباء، قائلاً إنهم صبروا من قبل على الدانات، كان كثيرون ينتظرون منه رسالة مختلفة؛ رسالة تبشر بقرب نهاية الحرب، لا رسالة توحي بأن المزيد من المعاناة أصبح قدراً لا مفر منه.

كان السودانيون ينتظرون أن يسمعوا وعداً بالسلام، فإذا بهم يُطلب منهم الاستعداد لمزيد من الدانات، ومزيد من انقطاع الكهرباء، ومزيد من الغلاء، ومزيد من الصبر.

ولا أدري على ماذا يصبر هذا الشعب أكثر.

ثلاث سنوات ونيف من الحرب، والوطن ينزف بلا توقف. قتلى وجرحى ومفقودون، وملايين النازحين واللاجئين، وأسر فقدت كل شيء، وأجيال كاملة خرجت من مقاعد الدراسة، وقدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عدد الأطفال المحرومين من التعليم بنحو سبعة عشر مليون طفل. وانهارت قطاعات الزراعة والصناعة والتعليم و الصحة .  و ضياع ثلاثة أجيال من الاطفال و الشباب…منهم من كان عمره عند اندلاع الحرب ست أو سبع سنوات، إما لن يجد مقعدا في المدارس او أن الحرب قد خربت لهم كل شيء ..نعم يمكن إعادة إعمار جسر أو مصفاة…لكن من يعوض هؤلاء الأطفال ضياع عمرهم. و قد فاتهم قطار التعليم..و  حيث حرمت الحرب مئات الآلاف من التلاميذ من الجلوس في امتحانات الشهادة السودانية و حيث انقسمت  البلاد جغرافيا و ديمغرافيا و سياديا..  

و طن  تراجعت فيه الخدمات الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

أما الاقتصاد، فقد أصبح عنواناً للأزمة. خزينة عامة مثقلة بالعجز، ووزير مالية لا يجد ما يقوله سوى مناشدة المغتربين تحويل مدخراتهم، بينما يقف عاجزاً أمام الانهيار المتواصل لسعر الصرف، واقتراب الدولار من ستة آلاف جنيه، مع تضاعف دولار الجمارك مرات عديدة مقارنة بما قبل الحرب.

بلغت المأساة حدَّ فرض رسوم على دفن الموتى، في وقت تُشترى فيه مقابر للاجئين والنازحين خارج السودان بتبرعات المحسنين، بينما تُباع المقابر داخل الوطن لمن أثقلتهم المآسي. حتى الأفراح والأتراح نزحت، كما نزحت أندية القمة والمنتخب الوطني بحثاً عن ملاعب آمنة خارج الحدود.

ومن نجا من القصف والدانات والطائرات المسيَّرة، ربما قضى بالكوليرا، أو بحمى الضنك، أو في غرفة غسيل كلى أطفأت الكهرباء أجهزة إنقاذها، أو بلسعة عقرب لم يجد لها مصلاً، أو عطشاً في الفيافي والصحارى، أو غرقاً في البحر بعدما خرج يبحث عن ملاذ آمن هرباً من الموت، فإذا بالموت يلاحقه حيثما ذهب. وآخرون ماتوا كمداً على ضياع عمرٍ بأكمله.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتساءل إحدى كبريات الصحف الفرنسية: ماذا تبقى من السودان؟ وهو سؤال لم يعد يحمل مبالغة صحفية، بقدر ما يعكس حجم الكارثة التي يعيشها البلد.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه هذا الشعب المكلوم بارقة أمل تنهي الحرب، وتعيد إليه وطنه، وتفتح باب العودة والإعمار، جاء الخطاب السياسي والعسكري ليبشره بمزيد من الصبر، وكأن الصبر أصبح برنامجاً للحكم، لا مرحلةً عابرة نحو السلام.

هذا يتحدث عن فكِّ اللجام، وذاك يتحدث عن فكِّ الرسن والعودة إلى الخرطوم، وبين هذين الشعارين يضيع السودان نفسه. وطن يخسر ثلاثة أجيال كاملة حُرمت من التعليم، وتُقدَّر خسائره الاقتصادية بمئات المليارات من الدولارات، بينما يواجه أكثر من ثلاثين مليون سوداني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، ويعيش الملايين على التكايا وصفوف الإغاثة، وتعاني أحياء في العاصمة العطش وهي على مرمى حجر من ملتقى النيلين.

إن المأساة الحقيقية ليست في استمرار المعارك فحسب، بل في أن خطاب الحرب ما زال يتقدم على خطاب السلام، وكأن المطلوب من المواطن أن يواصل دفع الفاتورة وحده، بينما يتنافس الجميع على كتابة نهاية الحرب بطريقتهم، ولو كان الثمن ما تبقى من الوطن.

    و للحديث بقية.. أن شاء الله

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات