بعد عشرة أشهر على ميلاده في العاصمة السودانية الخرطوم، لازال الطفل مؤيد يزن ستة كيلوغرامات فقط، والأخطر أنه لم يبدي أي محاولة للجلوس والحركة، مثلما يفعل الأطفال في عمره؛ إذ ظل جامداً لا يتحرك إلا بمساعدة والدته هبة أحمد، التي توقفت عن عرضه على الأطباء بعد تشخيص حالته بسوء التغذية الحاد في أبريل الماضي.
ومؤيد الذي وُلد في الخرطوم التي حولتها الحرب لأطلال، هو أحد 307,000 طفلاً يعانون من سوء التغذية الحاد في ولاية الخرطوم، بينهم 26,500 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، وفقاً لبيان صادر عن منظمة اليونسيف في الثامن والعشرين من مايو الماضي، وآلاف غيرهم في مناطق أخرى من السودان.
تقول والدته هبة أحمد وهى مدرسة بالمرحلة الابتدائية بوزارة التربية والتعليم لـ”السودانية نيوز”، :” مدخراتنا المالية نفدت في الشهور الأولى للحرب، ولم تسلمنا وزارة التربية والتعليم إستحقاتنا المالية الشهرية لأكثر من عام ونعاني بشدة في الحصول على وجبات الطعام الذي أصبحنا لا نستطيع شراؤه من السوق في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار”.
وتتابع: ” نأكل وجبات ليس بها قيمة غذائية للأطفال. توقفنا عن شراء الحليب والخضروات والفواكهة منذ العام الماضي، ونعتمد في غذائنا على الوجبات التي نحصل عليها من التكايا الخيرية. والتكايا تتوقف بين الحين والأخر لعدة أيام بسبب نقص التمويل الذين يحصلون عليه من الخيرين، لذلك يعاني أطفالنا من الجوع وسوء التغذية بصورة واضحة وهو ما أكده الأطباء، حيث يعاني طفلي مؤيد وشقيقه الأكبر من سوء التغذية الحاد”.
بينما فقد مبارك عبيد طفله البالغ من العمر أربعة أعوام في الأسبوع الماضي بعد تدهور حالته الصحية نتيجة لسوء التغذية الحاد، ويقول مبارك الذي قضى 18شهراً مقيماً بمدرسة بأم درمان بعد نزوحه من منزله بمحافظة أمبدة التي كانت تخضع لسيطرة الدعم السريع، بأنه توقف عن العمل منذ بداية الحرب، وأصبح يحصل على طعام أسرته من المطابخ الجماعية في الأحياء وتبرعات الخيرين غير المنتظمة.
ويضيف لـ”السودانية نيوز” قائلاً :” نعيش حالة جوع مستمر لأكثر من عام، مما عرض الأطفال لأمراض سوء تغذية بمستويات مختلفة، أدت لموت كثير منهم”.
وفي منطقة شرق النيل التابعة لولاية الخرطوم يتجاوز عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في ثلاثة أحياء سكنية 789 طفلاً بعضهم لم يتجاوز عمره ستة أشهر بحسب أيمن جبارة وهو عضو في غرفة الطوارئ بالمنطقة.
وأجمل أيمن أسباب انتشار حالات سوء التغذية بين الأطفال إلى التدهور الكبير الذي أصاب حياة السكان الذين بقوا تحت الحصار لعامين، وقال لـ”السودانية نيوز”، :” الأُسر ظلت في المنطقة التي كانت تدور فيها عمليات عسكرية ضارية لأكثر من عامين، فقدوا خلالها مدخراتهم وأعمالهم ونفدت فيها المواد الغذائية تماماً ولأن الحصار شديداً حولهم لم يكن بمقدورهم جلب الغذاء من المناطق المجاورة مما أدى لتوسع الإصابات بسوء التغذية بين الأطفال وكبار السن”.
وظل الوضع الغذائي يسير متراجعاً منذ بداية الحرب وقد أعلنت غرف الطواري في الحادي عشر من يونيو الماضي عن توقف عدد من المطابخ بالمنطقة ووصف عضو غرفة الطوارئ أيمن جبارة توقف المطابخ بالمعضلة التي تضاعف من سوء التغذية لدى الأطفال وكبار السن والنساء بالمنطقة التي لم تستعاد فيها الخدمات الأساسية مثل الكهرباء ومياه الشرب بعد ثلاثة أشهر من توقف العمليات العسكرية بها.
وارتفعت أعداد المصابون بسوء التغذية في مدينة أم درمان في مايو الماضي بحسب طبيب يعمل بمستشفى البلك الحكومي للأطفال بأم درمان وقال الطبيب الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ”السودانية نيوز” أن :” عدد الأطفال الذين ترددوا على قسم التغذية بالمستشفى في مايو الماضي تجاوز 800 طفل مقارنة بأعداد قليلة كانت في العام الماضي”.
وأخبر المصدر السابق بأن الأعداد مرشحة للزيادة بنهاية يونيو الحالي نتيجة لعودة الأسر التي غادرت المدينة أثناء المعارك العسكرية بالإضافة لحالة الغلاء في الأسعار وانتشار الأمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا وكلها مهددات لحياة الأطفال.
وفي ولاية جنوب دارفور سجل مركز صحي في مخيم كلمة للنازحين 1300 حالة سوء تغذية عند الأطفال في الفترة ما بين يناير وأبريل الماضيين، وقال محمد هارون وهو متطوع بعرف الطوارئ لـ”السودانية نيوز” أن :”الحالات كانت مصنفة في مرحلة سوء التغذية الشديد الحاد، بيد أن هنالك ألاف الأطفال كانوا مصابين بسوء التغذية في المخيم ولم يسعهم المركز الذي أمتلأ على أخره بالأطفال”.
وعلى الرغم من تزايد أعداد الأطفال الذين يحتاجون للمكملات الغذائية في دارفور إلا أن مراكز مخيمات أوقفت تقديم المكملات الغذائية والدوائية بسبب نفاد المواد الغذائية.
ويبلغ عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في مركز أخر في كلمة حوالي 800 طفل، بينهم 100 طفل يداومون على الحضور للوحدة العلاجية بالمركز وما تبقى منهم يحصل على المواد الغذائية بين الفترة والأخرى وفقاً لزحل خميس وهى مسؤولة في منسقية اللاجئين والنازحين بالمخيم.
وتشير زحل إلى أن كثير من الأطفال يموتون بسبب سوء التغذية في مخيم كلمة وفي بقية المخيمات بإقليم دار فور ويتوقع زيادة عدد الضحايا والمصابين في الأشهر القادمة.
وتفيد وزارة الصحة السودانية بأن ولايات دارفور والشرق (شمال دارفور، القضارف، كسلا وشرق دارفور) بها أعلى معدلات إصابة بين الأطفال بسوء التغذية الحاد الوخيم، حيث تظهر ولاية غرب كردفان من بين جميع ولايات السودان، أدنى معدلات إصابة بسوء التغذية بين الأطفال بعدد 623 طفل.
ووفقاً لمعلومات دقيقة حصلت عليها “السودانية نيوز” من قسم التغذية بوزارة الصحة الاتحادية أن تدقيقات الوزارة أظهرت زيادة كبيرة في في حالات الإصابة بسوء التغذية في الفترة ما بين يناير وأبريل الماضيين وبلغ عدد الحالات المُسجلة في السودان 130,322 حالة مقارنة مع 85,874 في نفس الفترة 2024.
وتشير المستندات إلى أن معدلات الإصابة بسوء التغذية للربع الأول من العام الجاري أظهرت ولاية كسلا (شرق السودان) بأعلى إصابات بسوء التغذية عند الاطفال بلغت 11,870 حالة تليها ولاية شمال دارفور9,142 حالة، وتحتل ولاية وسط دارفور المركز الثالث بعدد 9,070 طفل وولاية القضارف رابعة بعدد 5,833 حالة إصابة بسوء التغذية بين الأطفال.
وعزت الوزارة الأمر لأسباب أجملتها في نقص إمدادات الغذاء والدواء الجاهزة للاستخدام وتوقف المرافق الصحية بسبب الحرب.
ووفقاً لأديبة إبراهيم وهى طبيبة وعضو في نقابة الأطباء بالسودان أن 45 ألف طفلا ماتوا خلال فترة الحرب بسوء التغذية وقالت أديبة لـ”السودانية نيوز”، :” بجانب العدد الكبير من وفيات الأطفال حالياً يعاني حوالي ٣٨٩ ألف طفل ، و٨٥٠ ألف امرأة مرضعة من سوء التغذية في عدد من الولايات”.
وأشار أديبة إلى أن معاناة الاطفال لم تتوقف على سوء التغذية وحده إنما حدثت لهم انتهاكات جسيمة في فترة الحرب إذ تعرض حوالي ٢٥٦ طفل تتراوح أعمارهم بين خمسة وستة عشر سنة إلى حالات إغتصاب.